وهنا إشارات بيانية يجب التنبيه إليها .
الأولى - التعبير ب ( ذوقوا العذاب ) فإنه مجاز عن نزوله بهم بحيث يمس إحساسهم ، وكأنه يذاق مذاقا مؤلما ولا يخلو ذلك من تهكم بهم ، كما يقول اللّه تعالى :
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ
( 34 ) [ التوبة ] .
الثانية - قوله تعالى :
بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ
( 35 ) ، فإنها تدل على استمرار الكفر ، وأن هذا الاستمرار هو السبب في ضلالهم ، فإن كنتم وكان فيها دالة على الاستمرار .
الثالثة - أن التعبير بالمضارع يفيد تصوير حال كفرهم المتجدد المستمر ، فكل ساعة تمر وهم كافرون تجديد للكفر ، وحيث يتجدد الكفر يتجدد سبب العذاب ، وقانا اللّه تعالى منه .
وإن المشركين بذلوا ، وسيبذلون كل مال للصد عن سبيل اللّه ؛ ولذا قال سبحانه :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ
.
هذه الآية أقرب إلى الظن أنها مدنية ، ولكن نقبل ما يقرره القراء ، وهي أنها مكية عند بعضهم ، وهي لا تتغير بوصف المكية أو المدنية ، فكله كلام اللّه تعالى لا يتغير بميقات نزوله ، ونحسب أن ما في سورة الأنفال مما نزل بمكة ، قد انته إلى ما قبل هذه الآية .
كتب الصحاح التي تكلمت في أسباب النزول تجمع على أن سبب نزول هذه الآية أن قريشا بعد أن عضتهم الحرب في بدر ، وأرادوا أن يثأروا لأنفسهم جمعوا مالا لينفقوه في حرب أخرى يعدون لها ، ولكن قال الضحاك : إنه عنى بالآية المطعمون الذين كانوا يطعمون يوم بدر ، وكانوا اثنى عشر رجلا .