تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 3119

مساهمون:

ص٣١١٩
هذا تعجب من عدم تعذيب اللّه لهم بالمغالبة ، ومنازعتهم ما وضعوا أيديهم عليه بالباطل ، وأقاموا أصنامهم فيه ، وليسوا أهلا لولايته . والاستفهام للتعجب من مناقضة حالهم لما يجب لحرم اللّه الآمن ، والمعنى أي أمر ثبت لهم حتى يقيموا في الحرم ولا يعذبهم يمنعهم منه ، وهم يحاربون شعائره ، وذلك بصدهم عن سبيل اللّه ، وعن المسجد نفسه فهم يمنعون النبي صلى اللّه عليه وسلم من أن يؤدى المناسك ، ويمنعون ضعاف المؤمنين بإيذائهم ، ويصدون الناس معنويا بوضع الأصنام على الكعبة بناء إبراهيم ، وينتهكون المحارم ، بحمل الناس على الطواف عرايا رجالا ونساء ، حتى إنهن ليسترن سوءاتهن بأكفهن ، هذا كله صد عن البيت . فكيف لا يعذبهم اللّه بمغالبتهم على الاستيلاء على البيت ، والحال أنهم لا يقومون على حرمات البيت ، وهو المسجد الحرام الذي جعله اللّه حرما آمنا ، والناس يتخطفون من حوله . والتعذيب ، كما أشرنا هو مغالبتهم لنزع البيت من تحت أيديهم ، ووضعه في يد أولياء اللّه ولكنهم يدعون أنهم سدنته ، أو أنه بأيديهم مفاتيحه ، من عهد إبراهيم ، وقد أجاب اللّه تعالى عن ذلك بأنهم ليسوا أولياءه ، أي ليسوا حماته ، أو القائمين عليه ؛ وذلك لأن ولايتهم إنما هي بالخلافة عن إبراهيم بانيه ورافع قواعده ، وما كان مشركا . وإنهم إذ أشركوا ، وصدوا الناس عن المسجد الحرام ، ومنعوا غير العرايا ، قد فقدوا صفة الخلافة عن إبراهيم الذي جاء بالحنيفية السمحة ، قد فقدوا الحق في هذه الولاية . ولذا قال تعالى :
وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ
أي ما استمرت لهم هذه الولاية ، لأن « كان » تدل على الاستمرار وفيها نفى لهذا الاستمرار . والولاية الحق تكون لمن كانوا على ملة إبراهيم السمحة ؛ ولذا قال :
إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ
هذا قصر للولاية على الموحدين المؤمنين الذين بلغوا ذروة
زهرة التفاسير — صفحة 3119 | محمد أبو زهرة