تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 3115

مساهمون:

ص٣١١٥
وقد روى أن قائل هذا هو النضر بن الحارث ، وكان يتخذ مجلسا بعد النبي صلى اللّه عليه وسلم يقص فيه أخبار ملوك الفرس ، وأمرائهم ، ونسب القول إلى كلهم ؛ لأنهم ارتضوه وقبلوه وصدقوه . وكل ذلك كان بهتانا وكذبا . ولقد ذكر الله سبحانه وتعالى أنهم قالوا ذلك ورد قولهم ، فقال تعالى :
وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ( 5 ) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً
( 6 ) [ الفرقان ] . وإن هؤلاء المشركين لا يريدون الحق ليتبعوه ، بل هم في ضلال ، وإنهم يضلون ضلالا بعيدا ، وقد حكى الله تعالى حالهم ، ودعاءهم الساخر الماجن :
وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ
. إن هذه الجملة السامية الحالية تنبئ عن أن هؤلاء قد أركست نفوسهم في الشرك إلى درجة أنهم يتمنون أن يعيشوا فيه ، وألا يفكروا في تغيير ما بأنفسهم . يقول اللّه تعالى عنهم يقولون :
اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ . . .
هذا أقصى أحوال الجحود والإنكار ، حتى إنه ليتوقع شر ما يتمناه المرء إذا كان ذلك صدقا ، فيقول : إن كان هذا هو الحق وحده ولا حق سواه ، فخير لنا أن تنزل علينا حجارة من السماء أو تأتنا بعذاب أليم من جنس هذا العذاب ، فهو ينكر أولا ، ويعده شر الأحوال ثانيا ، ويصر عن إنكاره ، ولو بدت دلائل الحق ثالثا . وفي ذلك فوق هذا الجحود الذي لا حد له سخرية وتهكم ، وأنه يستحيل في نظره أن يكون حقا . وهنا إشارتان بيانيتان رائعتان : الأولى - قولهم :
إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ
، فيها قصر الحق على هذا ، وهو التوحيد ، والإيمان بما جاء به محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فالإنكار واقع على قصر الحق ، وكأنهم يريدون أن يكون ما هم عليه حقا وهو الباطل الذي لا ريب فيه .