يفاجأ بقطع السير إلى الرذيلة ، والمفاجأة بأنهم يبصرون ، والإبصار هنا هو يقظة الضمير وقوة الوجدان وسيطرة النفس على أهوائها ، وشبهت هذه الحال بالبصر الدائم المستمر ، الحارس على النفس أن تنفعل لداعى الشيطان ، وعبر بقوله :
هُمْ مُبْصِرُونَ
بالتعبير بالجملة الاسمية ، للإشارة إلى دوام البصر بالحقائق وإدراكها ، وتغلبها على الأهواء والمنازع .
هذه هي النفس من داخلها تدفع شرورها وتعالج أسقامها ، وإن الذين يجعلونها في معركة مستمرة وهم الذين يقاومون الفطرة ، حتى إبصار الضمائر المستيقظة ، هم إخوان السوء ، وعشراء الشر ؛ ولذا قال - سبحانه وتعالى - بعد ذلك :
وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ
( 202 ) .
أشار الله - تعالى - في الآية السابقة إلى ما في المؤمن التقى من حراسة على النفس من أن يتدلى إلى الشر تدليا ، فإذا جاءها طائف تذكروا الله وعظمته ، وآياته الباهرة ، فيدركون بفطرتهم كما يدرك المبصر بنصره ، فلا يتردى في معصية ، ولا يصل إلى أقصاها .
ولكن لا يكون العيب من ذات نفوسهم ، بل يكون من إخوان السوء الذين يزينون له سوء الأفعال فيحسبها حسنة ، ويكون ممن زين له سوء عمله فرآه حسنا ، فأولئك هم الذين يقاومون فطرة المؤمن ويحاولون طمس النور فيها ، ويزيدونها سيرا في الغى إن سارت فيه ، فبينما الحق يذكرهم ، إخوان السوء يمدونهم في الغى ، ولذا قال تعالى :
وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ
.
الإخوان هم الذين يرتبطون معهم بصلة نسب ، أو صلة مودة أو صلة جوار أو يتصلون بهم بأي صلة إنسانية
يَمُدُّونَهُمْ
، أي يسيرون يمدونهم بكل أسباب الطغيان والعتو . ويقال مده في عمله وزينه له وحسنه ، ولذا كانت قراءة الأكثرين بفتح الياء وضم الميم ،
يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ
والمد التزيين والتحسين والتشجيع ، والغى هو الضلال والفساد ، وكل ما يؤدى إلى الوقوع في مراتع الهوى .