تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 3048

مساهمون:

ص٣٠٤٨
وإنه توجد موازنة حكيمة ، بين نفس متقية مؤمنة هدايتها من نفسها إذا جاءها الشر أو طائف منه قاومته بذكر اللّه وبصيرة المؤمن ، وبصبر الإيمان . والنفس الأخرى نفس شقية أغواها السوء ، فلما طاف عليها طائف الشر ، زينته وأغرى النفس إخوان السوء وزينوه وحسنوه ، فأصرت على طائف الشر بتزيينهم ، وتشجيعهم ومدهم ، فهم في طغيانهم يعمهون وأن يستمروا على تحسين الشر ، ولا ينهون تحسينهم وتزيينهم . فهم في غمرة من الشر لا تنته ، ولذا قال تعالى :
ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ
أقصر معناها أنهى ، و
ثُمَّ
هنا للدلالة على تراخى الزمن واستمراره ، فهي في موضعها ، والمعنى ثم بعد استمرارهم في غيهم وضلالهم
لا يُقْصِرُونَ
، أي لا ينتهون بل دائمون . وهكذا الشر يستمر مع مقاومة الفطرة باستمرار دعاة الغى وأنصاره ، وكان مدهم وتزيينهم مستمرا يغذى شجرة الشر ، كما يغذى الماء القذر النبات الخبيث الذي لا يكون إلا نكدا . فالشر يتغذى بدعاة الشر ، وينمو ويغلظ سوقه بهم ، والفساد لا يستشرى في جماعة ويعمها بالشر إلا بالبيئة الفاسدة وبالرأي العام الفاسد المرذول ، فإخوان السوء يمدون بالغى وسواء أكانوا آحادا ، أم كانوا جماعات ، وكلمة إخوانهم تنطبق عليهم . وإن من يرد إصلاح جماعة لا يصلح آحادها ابتداء إنما يصلح نية الإخوان الذين يسيطرون على جوها العام أولا ، ثم يصلحون الآحاد ، فيصلحون بالجولة الأولى . وإنك إن علوت من رذائل الأفعال إلى فساد العقول ، تجد إخوان السوء هم الذين يمدون في فساد العقول بعبادة الأوثان والكفر بالآيات ؛ ولذا قال تعالى :
وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْ لا اجْتَبَيْتَها قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
( 203 ) .