قال تعالى :
وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ
.
أكد اللّه تعالى ذلك ب « قد » ، وهي للتحقيق دائما ، وباللام ، وذرأنا معناها ، خلقناها من ذرية ، كما قال تعالى :
وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً . . .
( 136 ) [ الأنعام ] ذرأ ليست بمعنى خلق كأي خلق ، بل معناها أنه خلق من ذرية .
وقوله تعالى :
لِجَهَنَّمَ
، أي أن مآلهم إلى جهنم ؛ لأنهم يختارون الضلالة ، فيكفرون فتكون جهنم مآلهم وبئس المصير ، ووصفهم سبحانه بأنهم كثيرون من الجن والإنس ، فليس الضلال بقليل في الأرض ، وإنه لكثير ، كما قال تعالى :
وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ . . .
( 116 ) [ الأنعام ] ، وقد ذكر - سبحانه وتعالى - حال الذين كتب عليهم أن يكونوا لجهنم فقال :
لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها
، أي لهم قلوب لا ينفذون بها إلى الحق فيذعنوا له ، وهذا معنى فقهها ، ولهم أعين لا يبصرون آيات اللّه في الكون من شمس لها ضياء ، وقمر له نور ، وسماء ذات أبراج ، ورياح تحمل السحاب الممطر ، يساق إلى بلد ميت فيحييه ، ولهم آذان لا يسمعون بها نداء الحق فيجيبوه ، وآيات اللّه تتلى فلا يدركوها ، ويسمعون صوت المنادى « اللّه أكبر » وكأنهم لا يسمعون .
وقد يقال : إن هذا مثل للضالين وتصوير لهم ، فهم كمن لا عقل له ولا بصر ولا سمع ، وقد قال تعالى في ذلك :
أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ
.
إن فرق ما بين الحيوان والإنسان هو العقل والتدبير ، وترتيب النتائج على المقدمات ، والنظر إلى المستقبل على ضوء الماضي والحاضر ، فإذا فقد ذلك فقد صار كالأنعام في أنفسها ، ولذلك قال سبحانه :
أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ
والإشارة إلى الذين لهم قلوب لم يدركوا بها إدراكا نافذا إلى ما وراء . وأوتوا أبصار لم يعرفوا عظمة الكون وخالقه منها ، وأوتوا سمعا ، لم يستمعوا به إلى المواعظ النيّرة ، والزواجر الزاجرة .