وروى الطبري بسنده أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « كل نسمة تولد على الفطرة حتى يعرب عنها لسانها فأبواها يهودانها ، أو ينصرانها » « 1 » .
قلنا : إن اللّه تعالى ذكر قصة الفطرة الإنسانية لكيلا يكون اعتذار لمنحرف لأنه يخالف الفطرة ، وأيضا لكيلا يحتج بأنه يتبع آباءه فقال تعالى :
أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَ فَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ
( 173 ) .
« أو » هنا عاطفة على قوله تعالى :
أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ
ومقتضى السياق أن يكون المعنى كراهية ، إن تقولوا إنا كنا عن هذا غافلين ، أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا وكنا ذرية من بعدهم .
والمعنى أخذ عليكم الإقرار ، وأنتم ذرية ليتبين أن فطرتكم تناديكم بالإيمان فلا تعتذروا بأن آباءكم كانوا مشركين ، وأنتم اتبعتموهم ، فإن أوخذتم فإنما تؤاخذون بشركهم ، ولكن أخذ عليكم من قبلهم بالإيمان ، فأنتم مسؤولون عن عهدكم الذي عاهدتم اللّه تعالى عليه أولا ، لا عن تقليدكم لآبائكم ، وإنه لا يصح هذا التقليد وفيكم فطرة الإيمان ، أتتبعون آباءكم ولو خالفوا الفطرة التي شهدوا فيها بأن اللّه وحده هو المعبود بحق هو أنكم بمقتضى الفطرة مؤمنون فلم تتبعون آباءكم في كل حال ، ولو كانوا لا يعقلون شيئا ولا يهتدون ، وخالفوا سنة الفطرة .
فإن خالفوها ، فإن ذلك لا يخليكم من الإقرار الذي أخذ عليكم .
وقوله تعالى :
إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ
فيها ما يوهم أن شركهم كان بالوراثة ، وأنهم لهم تبع ، فكما ورثوهم في أجسامهم ونسبهم ، فقد ورثوهم في اعتقادهم .
ولذا قال اللّه تعالى عنهم :
أَ فَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ
الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، وهي مؤخرة عن تقديم لأن الاستفهام له الصدارة ، وهو
هامش
( 1 ) جزء من حديث رواه أحمد : مسند المكيين - حديث الأسود بن سريع ( 15162 ) .