تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 3002

مساهمون:

ص٣٠٠٢
نتقنا معناها رفعنا ، ولكن يظهر أنها لا تكون إلا في رفع الثقيل الذي لا يستطيعه إلا الأقوياء ، فمن الألفاظ العربية ألفاظ تحمل في نفسها قوة المعاناة في دلالتها ، فلا نقول : نتقت العصا ، أو نتقت السيف ، ولكن قد تقول : نتقت الجبل ، أو نتقت أطنان الحديد . ولقد نتق الله الجبل وعلا عليهم ، وكأنه ظلة من ظلال السحاب فوق رؤوسهم ، ولأنه جبل أو جرم كبير ثقيل
وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ
، أي واقع نازل بهم قاصد رؤوسهم . والله يقول :
خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ
، أي خذوا التعاليم في الحلال والحرام ، وما كلفتموه عامة بقوة ، أي بتقبل منكم ، ورضا به ، واطمئنان إليه واذكروا ما فيه أي اذكروه وتدبروه ، وعوا ما فيه ، واعملوا به لعلكم تتقون ، والرجاء منهم ، أي راجين بذلك أن تتقوا السيئات . بل إن تتقوا شر أنفسكم الأمارة بالسوء ، وهذا كقوله تعالى :
وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ . . .
( 63 ) [ البقرة ] ، وقد يسأل سائل : لما ذا كان رفع الجبل مع إعطائهم الميثاق بقوة ؟ الظاهر أنهم ترددوا في قبوله وتلكئوا كشأنهم دائما في قبول الحق المنزل والعمل به ، فأتى موسى - عليه السلام - معجزة حسية قاهرة تلزمهم ، ولا يحيرون جوابا فيها ، فكان نتق الجبل ، وكانت هذه المعجزة الرهيبة الدافعة إلى الإيمان ، المانعة من كل تردد ، وقد جاءت الآثار بما يفيد ذلك : روى ابن كثير أن موسى - عليه السلام - قال لهم : هذا كتاب تقبلونه بما فيه ، فإن فيه بيان ما أحل لكم وما حرم عليكم ، وما أمركم وما نهاكم ، قالوا : انشر علينا ما فيها - أي الألواح - فإن كانت فرائضها وحدودها يسيرة قبلنا . قال : اقبلوها بما فيها . قالوا : لا حتى نعلم ما فيها ، كيف حدودها وفرائضها ، فراجعوه مرارا ، فأوحى اللّه تعالى للجبل ، فانقلع ، فارتفع إلى السماء حتى إذا كان بين رؤوسهم والسماء فقال لهم موسى : ألا ترون ما يقول ربى عزّ وجل ؟ ! فأخذوا التوراة وهو الميثاق بهذه القوة الدافعة . وإنه مع هذا الدليل المادي الحسى القارع نجدهم غيروا وبدّلوا وانحرفوا عما أمرهم به اللّه - سبحانه وتعالى - وقد أردف - سبحانه وتعالى - ذلك ببيان ميثاق الفطرة التي فطر اللّه الناس عليها ، فقال تعالى :