وقوله تعالى :
وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ
، أي حملهم على الإقرار على أنفسهم ، أو اتخذ منهم شهداء على أنفسهم فاستجابوا وشهدوا على أنفسهم فهي شهادة الفطرة الإنسانية السليمة بالربوبية لله تعالى .
وقد بين - سبحانه - حكمة هذا الميثاق فقال تعالى :
أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ
أن تقولوا : مضاف إليه لمضاف محذوف تقديره : كراهية أن تقولوا إنا كنا عن هذا غافلين ، فإنه في فطرتكم التي خلقكم اللّه تعالى عليها ، ولن تغفلوا عما فطركم اللّه تعالى عليه ، إلا أن تطمسوا فطرتكم بالأهواء والأوهام التي تطمسون عليها ، فلا تدرك ، وتحولون بينكم وبين نورها الهادي المرشد .
وإن هذا الذي ذكره اللّه تعالى من أخذ ذرية بني آدم من الأصلاب فيه تصوير محكم دقيق لتكوين الفطرة الإنسانية على الإقرار بمعنى الربوبية والتوحيد ، لسلامة التكوين وأنه سوى خلقه فأحسن تسويته ، وأنه صوره فأحسن صورته وقد قال بعض المفسرين : إن هذه المجاوبة مجاز ، إذ شبهت حال خلق الإنسان مفطورا على الإيمان بهذه المجاوبة ، ونحن نقول تبعا لهذا التخريج : فهذا الأخذ فيه تصوير لتكوين الفطرة ، ولقد قال تعالى في الإسلام ودعوة اللّه :
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ
( 30 ) [ الروم ] .
وإن محمدا صلى اللّه عليه وسلم آمن بفطرته ، وهجر الأوثان بعقله ، وإبراهيم أبو الأنبياء فكر بفطرته ، حتى اهتدى إلى ربه ، وقال بعد اهتدائه :
إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً . . .
( 79 ) [ الأنعام ] .
ولقد قال النبي صلى اللّه عليه وسلم فيما رواه مسلم : « يقول اللّه تعالى : إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين ، فاجتالتهم عن دينهم » « 1 » .
هامش
( 1 ) سبق تخريجه .