تحسبون أننا هالكون ومعذبون ، ونحن مصرّون ، فاتركونا بضلالنا ، حتى نلقى جزاءنا بزعمكم ، ويكون الاستفهام لإنكار الواقع ، وتوبيخ الواعظين على وعظهم .
وإن ذلك تحتمله الآية الكريمة ، ولكنا نميل إلى الأول ، وقد قسم القرطبي في تفسيره اليهود إلى ثلاثة أقسام ، ونسب التقسيم إلى جهود المفسرين ، فقال :
« قال جمهور المفسرين : إن بني إسرائيل افترقت ثلاث فرق ، وهو الظاهر من الضمائر في الآية ؛ فرقة عصت وصادت ( أي يوم السبت ) . وفرقة نهت واعتزلت ، وفرقة اعتزلت ولم تنه ولم تعص ، وأن هذه الطائفة قالت للناهية : لم تعظون قوما - تريد العاصية - اللّه مهلكهم ، فقالت الناهية موعظتنا معذرة إلى اللّه » .
وإن هذا تقسيم حسن ، وإن الذين اعتزلوا ، ولم ينهوا ، وإن اهتدوا وأطاعوا ، لم تتم طاعتهم وهدايتهم لأنهم لم ينهوا العاصين ، وكمال هدايتهم في نهيهم ، فالتناهى عن المنكر مطلوب من الذين اهتدوا . ولقد قال تعالى :
لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ ( 78 ) كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ
( 79 ) [ المائدة ] .
وإن المعذرة التي قام بها الناهون يرفعونها إلى ربهم تقربا إليه بقول الحق والدعوة إليه ، والقيام بحق الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، ورجاء أن يتقوا أو يخافوا العذاب ، ويتوبوا إلى اللّه ، ويقلعوا عن الذنوب التي وقعوا فيها ؛ ولذا قال تعالى عنهم :
وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
ويكون الرجاء من هؤلاء ، على حقيقة الرجاء ؛ لأنه من المكلفين في شأن مكلفين .
وإن ذكر الذين لاموا الناهين ، وإجابة هؤلاء فيها دعوة للنبي صلى اللّه عليه وسلم إلى الاستمرار على دعوته ومداومة موعظته ، ولو كان المشركون يعاندون ، ويصرون على شركهم
. . . إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ . . .
( 7 ) [ الرعد ] ، فعليه أن يستمر على دعوته ، ولو كانت حال موئس من الاستجابة فإن اللّه تعالى قد يغير من حال إلى حال .