السبت ومجىء الحيتان فيه - نعاملهم معاملة المبتلى المختبر لتهذب نفوسهم وتربى إرادتهم ، وذلك بسبب استمرارهم على الفسوق ، وانحراف النفوس وخضوعها لشهواتها ، ولأجل تعويدهم ضبط النفس ، والصبر على الحرمان ، فإن الصبر نصف الإيمان .
وإن اللّه تعالى وصاهم ، ودعاهم إلى الهدى ، وشرع لهم ما يصقل نفوسهم ويهدى قلوبهم ولكن كتبت عليهم الشقوة فلم يهتدوا ، ولقد شعرت بذلك أمة منهم ، فقال - سبحانه وتعالى - عنها :
وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً
.
الأمة هي الجماعة المؤتلفة التي تجمعها فكرة واحدة وشعور متحد ، بحيث يوائم كل واحد فيها من معه ، و « إذ » ظرف زمان ماض ، والمعنى اذكر يا محمد ذلك الوقت الذي هم فيه بلغ اليأس من اهتدى منهم حتى قالت منهم جماعة مهدية يائسة من إيمانهم ، منكرة وعظ من يعظهم :
لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً
، والوعظ بيان الحق مقارنا بمغبة الباطل ذاكرا ما ترتب على الباطل من أذى لأهله ، وهلاك لمن استمسكوا بالباطل استمساكا وتركوا الحق وانحرفوا عنه ، والعاقل من اتعظ والجاهل من يأبه ولا يتعظ . يستفهم هؤلاء المهديون مستنكرين ، أو متعرّفين الغاية ؛ لم تعظون قوما قد تضافروا على الشر ، وتقرر هلاكهم وهم على ضلالهم ، وبعد هذا الهلاك يعذبهم عذابا شديدا ، ما الباعث على ذلك ؛ فيجيبهم فريق ممن اهتدوا وهم الواعظون :
قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ
، أي يجب علينا أن نعظ لنعتذر إلى ربنا بأننا قمنا بحق بيان الهدى والنور ، وليكون استحقاقهم الهلاك على الضلال بعد بينة أقيمت وحق أعلن ، ونقدم هذه المعذرة إلى ربنا عن ضلالهم .
وهذا كله على أساس أن المستفهمين مهديون وهو الأنسب لمعنى الآية ، وفرض بعضهم أن المستفهمين هم الذين وقعوا في الضلالة ، وكأنهم يقولون إنكم