وذلك كفر يضاف إلى كفرهم ، ولذا قال سبحانه وتعالى :
فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ
.
أي أن اللّه تعالى عاقبهم عقوبة دنيوية بعذاب أنزله اللّه تعالى بهم من السماء بأن أرسل عليهم حاصبا يتعبهم ويعذبهم ولا يبيدهم ، وقيل لطاعون أصابهم ، واللّه أعلم بما أنزل بهم ، وما دام سبحانه لم يبينه ، فلنعلمه ولا نفصله ؛ لأنه سبحانه لم يفصله ، وقوله تعالى :
بِما كانُوا يَظْلِمُونَ
أي بسبب ظلمهم ، واستمرارهم عليه ، فلا يرعوون عن عيهم ، ويلاحظ هنا أمران :
أولهما - أن اللّه - سبحانه وتعالى - نسب تبديل القول إلى بعضهم دون كلهم ، فقال تعالى :
فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ
وكأنهم كانوا صنفين ظالما وعادلا ، فبدل الظالم ولم يبدل العادل ، ولكن في العذاب ذكرهم جميعا ، ولم يذكر بعضهم ، فهل طغى ظلم الظالمين على غيرهم كقوله تعالى :
وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً . . .
( 25 ) [ الأنفال ] . الظاهر ذلك ؛ لأن العادلين رأوا ولم ينهوا ، ولا يأخذ اللّه العامة بظلم الخاصة إلا إذا رأوا الظلم ولم ينكروا .
وثانيهما - أن الذي ذكر في سورة البقرة في هذه القصة :
فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ . . .
( 59 ) [ البقرة ] ، ولم يذكر منهم ، وقال تعالى :
. . . بِما كانُوا يَفْسُقُونَ
( 59 ) [ البقرة ] ، وهنا
بِما كانُوا يَظْلِمُونَ
.
وإنه بمجموع الآيتين يستفاد أن الذين بدلوا كانوا الكثرة ، فحكم بما يعم لأنه الغالب ، وفي الثانية نسب الظلم إلى بعضهم ، وإن كانوا الأكثر عددا ، والأقوى صوتا .
والتعبير في سورة البقرة بالفسق يدل على الانحراف العقلي والنفسي والخروج عن الحق ، وفي هذا الموضع بالظلم وهو الإيذاء بالفعل للنفس ، والكفر ، وهما متقاربان من حيث إنه يلزم كل واحد الآخر .