وإن المصريين قد قالوا هذا المعنى مواجهين موسى - عليه السلام - وعبر عنه بذلك التعبير العربي ، وكأنه ترجمة لتعبيرهم في لغتهم .
ولقد أجابهم بقوله كما حكى القرآن الكريم :
إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ
، أي إن ذلك قضاء اللّه تعالى وقدره فيكم . وعبر عنه بطائركم تشبيها للقدر المحتوم بالطائر المشئوم ؛ لأنه في معناه لا حق بهم ، فإن تعدّوه شؤما فهو من سوء عملكم ، وختم الآية بقوله تعالى :
وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ
أي لا يعلمون أن كل شئ عند ربك بمقدار ، فيتشاءمون ؛ ولذا نفى النبي صلى اللّه عليه وسلم الطيرة ، وقال : « لا عدوى ولا طيرة » « 1 » أي لا عدوى إلا بإذن اللّه تعالى العلى القدير .
ومع أن اللّه تعالى قد ابتلاهم
بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ
ويطمئنون إلى اللّه الذي هو منشئ العالم ، وأنه ليس لفرعون أية ألوهية ، ومع ذلك أصروا على كفرهم ، ورموا موسى بأن هذا الابتلاء سحر يسحرهم به موسى ، وأنهم لا يؤمنون ؛ ولذا قال اللّه تعالى عنهم :
وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ
( 132 ) .
مهما تأتى من معجزة باهرة قاهرة ، فإنها لا تعدو أن تكون سحرتنا بها ، فما نحن بمؤمنين لك ، أي بمسلمين لله بالحق الذي تدعو إليه ، نفوا إيمانهم مؤكدين النفي بالباء الدالة على استغراق النفي ، وبالجملة الاسمية وتقديم الجار والمجرور « لك » على « مؤمنين » ، وقولك مؤمنين لك ، أي إجابة لدعوتك منضمين لك ، فلن نخرج عن صفوف الفرعونية الكافرة الجاحدة إلى صفك المؤمن المذعن لله تعالى .
نزلت عليهم آيات قاهرة أشد من الأولى بسبب إصرارهم على الكفر ، وقد ذكرها اللّه تعالى بقوله :
فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ
( 133 ) وأرسلنا : بمعنى أنزلنا قاصدين كأن هذه مرسلة من عندنا ، والطوفان هو المطر الشديد ، وفيضان النيل الطاغي الذي أغرق الزرع ، وأهلك النسل ، وهدم البيوت ، وما كان لفرعون طاقة على إنجائهم والسيل قد طم ، وحزب ، وصار عبثا ، لا غيثا .
هامش
( 1 ) متفق عليه ؛ رواه البخاري : الطب - الفأل ( 5756 ) ، ومسلم : السلام - الطيرة والفأل ( 2224 ) ، وتتمة الرواية : « ويعجبني الفأل الصالح الكلمة الحسنة » .