تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 2927

مساهمون:

ص٢٩٢٧
لأن نفسه لم تكن نفس مؤمن ، بل طغى وبغى ، وقد رأى ملكه يزول ، وأوهامه تضمحل فطغى وبغى وآثر الملك والحياة الدنيا على الآخرة ، واتجه إلى السحرة ، يعذبهم ، ويصب جام غضبه عليهم .
قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ
. يوبخهم على إيمانهم قبل إذنه ، فالاستفهام إنكاري لإنكار الواقع ، وإنكار الواقع توبيخ ، وموضع التوبيخ أنهم آمنوا قبل أن يأذن لهم ! ! ، وكان طاغوته قد سول له أنه ملك قلوبهم وألسنتهم فلا تتحرك إلا بإذنه ، وقد رأينا ذلك من فرعون دونه عقلا ، وفوقه طغيانا . ولم يذهب إلى نفسه أنه حق أدركوه ، وإيمانا صدقوا به موسى وهارون ، بل حكم على أساس من وهمه أنه مؤامرة عليه ، وهو الذي اصطفاهم واختارهم من بين رعيته وهم مختارون من الشعب فموّه على الشعب بباطله أنها مؤامرة عليه وعلى الشعب ، فقال :
إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها
، أي لتفرضوا على أهلها سلطانا غير سلطانها ، فتفقد استقلالها ، ولا تكون لها أرضها ، ردف ذلك بالتهديد الشديد ، والعذاب العتيد ، قال :
فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
، أي سننزل بكم عذابا تعلمونه بالعيان ، لا بالبيان ، و ( سوف ) هنا لتأكيد الكلام . أصدر الحكم بخياله وهواه ، لا بعقله والبرهان وهو أغلظ عقاب :
لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ
( 124 ) . أقسم الطاغي بما يقسم به عنده أن يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ، أي يقطع من جانب يدا ، ويقطع من الجانب الآخر رجلا ، وأقسم أيضا ليصلبنهم أجمعين ، ولا يستثنى أحدا ، وقد صرح في آية أخرى بأنه يصلبهم في جذوع النخل . وهكذا يبتكر الطغيان هذا العقاب الشديد ، روى الحسن البصري عن ابن عباس - رضى اللّه عنهما : إن فرعون أول من عاقب بقطع اليد والأرجل من
زهرة التفاسير — صفحة 2927 | محمد أبو زهرة