تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 2924

مساهمون:

ص٢٩٢٤
قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ
( 115 ) . خيّروا موسى - عليه السلام - بين أن يبدءوا هم بإلقاء حبالهم وعصيهم أو ما معهم بشكل عام ، وبين أن يلقى هو ، وقدموا التخيير بإلقائه هو عن إلقائهم لأنهم يريدون أن يعرفوا ما عنده من طاقة ويقدروا طاقتهم على قدرها ، وعبروا عن إلقائه بقولهم :
إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ
معبرين بالفعل استهانة بإلقائه غرورا وتعصبا ، وليرضوا فرعون بأنهم فوق موسى في الحلبة ، وعبروا عن أنفسهم بقولهم :
وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ
بالجملة الاسمية وتأكيدها بلفظ « نحن » وبقولهم « نكون » ، وثوقا بأنفسهم وليثبتوا لفرعون أنهم الغالبون . ولكن فطنة النبوة عند موسى جعلته يقدمهم عليه في الإلقاء ، ليعرف ما عندهم :
قالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ
( 116 ) . ألقوا حبالهم وعصيهم ، والسحر لا يغير حقائق ، فلا يجعل العصى والحبال حيّات ، ولكنه يؤثر في الرائي في نفسه ؛ ولذا قال :
سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ
جعلوهم يرون غير الحقيقة ،
وَاسْتَرْهَبُوهُمْ
أي طلبوا رهبتهم بذلك السحر ، وقد قلنا عند الكلام في السحر : إنه نوع من استهواء النفس ، والسيطرة عليها بحيث يجعله في يد المستهوى ، أو ما يعبر عنه بالتنويم المغناطيسى ، فيغير إحساسها من محبة إلى بغض ، ومن بغض إلى محبة ؛ ولذلك قال اللّه تعالى عما يفعله الذين يسحرون :
. . . يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ . .
. ( 102 ) [ البقرة ] فيغيرون حال المحبة بينهما بهذا الاستهواء . فكل ما فعله السحرة الذين نازلوا موسى - عليه السلام - أنهم استطاعوا أن يموّهوا على الأنظار ، ويسحروا الأعين لا أن يغيروا حقائق الأشياء ، فلم يجعلوا الحبل ثعبانا ، ولكن العيون مسحورة ، وأرهبوا الناس بعملهم وجاءوا في هذا بسحر عظيم في بابه الذي أتقنوه ، إرادة الأجر من فرعون وإرضائه ، ليكونوا من المقربين عنده .