بل منه ومن حاشيته فهم مطبوعون بطابعه ، يزينون له ما يفعل ، ويحسنونه ويؤيدونه ، ويشجعونه ، ولولا أنهم حوله ما طغى وبغى ، أو ما كان طغيانه بالمقدار الذي وصل أو يصل إليه كل طاغية ، ولقد رأينا بعض الطواغيت في هذا الزمان يتخذ حاشية تعينه على الظلم ، بل تطغى عليه وهو لا يشعر ، رأينا ذلك رأى العيان ؛ ولذا خص اللّه تعالى ملأ فرعون بالذكر ، وسنجد من سياق القصص الحكيم في أمر فرعون أنه ملأه كان يعاونه بالقول والفعل ، ويسكت عن جرائمه من اعتراض دائما .
وقد نسب اللّه تعالى الظلم إليهم مع فرعون ولم يفرده بالظلم ، فقال :
فَظَلَمُوا بِها
فلم يكن الظلم من فرعون وحده بل كان منه ومن هذا الملأ والشعب مأكول فيهما ومأسور بظلمهما .
والظلم يشمل ظلم الرعية ، ويشمل الظلم في العقيدة بالشرك ، وإن الشرك لظلم عظيم ، والظلم يؤدى الفساد ، فالشرك في العقيدة إفساد للعقل والفكر والنفس بالضلال ، والضلال أبلغ أنواع الشرك ، والشرك ينشأ من الأوهام ويؤدى إلى كثرة الأوهام والضلال ، ألم تر أنهم كانوا يعبدون العجل ، والظلم يؤدى إلى فساد الرعية بالخنوع والطاعة للظالم ، والرضا بالهون ، وفقد الحرية والاندفاع في الظلم ، حتى ساغ له أن يقول لهم : ما أريكم إلا ما أرى .
ولذا قال تعالى بعد أن ذكر الظلم :
فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ
انظر يا محمد مآل الذين أفسدوا في الأرض بشركهم وإرهاقهم للرعية ، واستبدادهم إني عاقبتهم أن أغرقوا في اليم ، ولم يجد فرعون وملأه أن قالوا : آمنا برب هارون وموسى .
فلننظر إلى ما كان من فرعون أكبر طاغية في عصره ، ويحاكيه الطغاة في كل عصر ، وقد كان فرعون جاهل في أرض مصر ، وسام أهلها سوء العذاب ، لجنونه وحمقه وجهله ، حتى أرداها فيما لم تتردّ فيه في أي عصر من عصورها .