وإن اللّه تعالى عهد إلى بني آدم من ظهورهم ذريتهم أن يؤمنوا بالله ، فقال تعالى :
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ
( 172 ) هذا عهد اللّه على بني آدم ، وهم في ضلال آياتهم ، قبل أن يصلوا إلى أرحام أمهاتهم ، وهذا يدل على أن الإيمان المذعن هو استجابة للفطر ، ومن يكفر بالحق إذ جاءه إنما يحيد بالإنسان عن طريق الفطرة المستقيمة .
وقوله تعالى :
وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ
( 102 ) الذين فسقوا عن أوامر اللّه تعالى ونواهيه التي جاء بها النبيون وكذبوا ليس لهم من عهد ، يوفون به ، حتى عهد الفطرة التي فطرهم اللّه تعالى ، فهم خالفوا العهد الأول ، وخالفوا كل عهد عاهدوه ، حتى انحلت نفوسهم انحلالا ، و « من » هنا لاستغراق النفي ، أي ما وجدنا لأكثرهم أي عهد يحترمونه ، وينفذونه ، وأولها وأقواها عهد الفطرة الذي أخذه اللّه تعالى في الأصلاب .
وإذا كانوا لا عهد لهم ، وخالفوا فطرة اللّه التي فطرهم ، فهو فاسقون خارجون عن قضايا العقل البديهية ؛ ولذا قال تعالى :
وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ
إن هنا هي المخففة من الثقيلة وضمير الشأن اسمها ، وقوله تعالى :
وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ
، والمعنى إنه أي الحال والشأن وجدنا . . .
واللام في قوله
لَفاسِقِينَ
لام التوكيد ، واقعة في خبر إن .
ونجد هنا حكم اللّه تعالى العادل ، يحكم بالكثرة الغالبة ، لا بالكلية الشاملة ، فمنهم صالحون ومنهم فاسقون وإن الأمم لا توصف كلها بالفسوق ؛ لأنها تفسق كلها ، إنما توصف بالفسق ؛ لأن كثرتها الغالبة المسيطرة ، الفاسقة فهي الظاهرة البارزة ، وهي المسيطرة على الجماعة ، وهي التي توجد رأيا عاما فاسدا ، يسوده الشر ، ويختفى فيه الخير واللّه رؤوف بالعباد .