فهل أمنوا هذا ، وهم لا يملكون شيئا بجوار قدرة الله تعالى : وإذا كانوا لا يأمنون بأس الله
بَياتاً
، فإنهم لا يأمنونه ضحى ؛ ولذا قال تعالى :
أَ وَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ
( 98 ) .
« الواو » واو العطف دخلت على همزة الاستفهام ، ولكن قدمت الهمزة في السياق ؛ لأن الاستفهام له الصدارة ، والاستفهام هنا إنكاري ، بمعنى نفى الوقوع مع التوبيخ ، أي لا يؤمنون أن بأس الله وشدته التي تكون نكالا وعبرة ، أن يأتيهم ضحى ، في النهار وضحاه ، والشمس ساطعة تبين كل شئ وتكشفه ،
وَهُمْ يَلْعَبُونَ
سمى الله تعالى عملهم لعبا ، واللعب هو العمل العابث الذي لا يقصد ضرا ولا نفعا ، سمى - سبحانه وتعالى - عملهم لعبا لأنهم ما داموا لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر يكون عملهم كاللعب ؛ لأن القصد الطيب هو أن يكون طاعة لله تعالى ، وقد عصوه ، فإن العمل الذي يخرج عن اللعب هو عمل الخير ، ولا خير في معصية ، ولا خير يكون من جاحد ، يشرك مع الله أحدا .
وإن الآيتين الكريمتين تفيدان أولا أنهم في غفلة لا هون لا يشعرون بعاقبة أعمالهم ، وآثامها ، وإنهم عمون غير مدركين . وتفيدان ثانيا أن بأس الله تعالى يأتيهم من حيث لا يحتسبون ليلا وهم نائمون ، أو نهارا وهم يلعبون ، وإن ذلك بتدبير الله تعالى ، ولذا قال بعد ذلك :
أَ فَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ
( 99 ) .
« الفاء » هنا عاطفة يترتب ما بعدها على ما قبلها ، لأنهم إذا كانوا لم تجدهم النقمة ولا النعمة ، وبأس الله يأتيهم في مأمنهم ليلا وهم نائمون ، وضحى وهم يعملون عملا لا جدوى فيه فهو لعب أو كاللعب ، فهم لا يأمنون .
ومكر الله تعالى تدبيره المحكم الذي ينزل به العذاب السريع على من يستحقه ، والأمن والطمأنينة لمن يستحقه ، وهو الحكيم ، وقد فسر بعض المفسرين بأنه العذاب ، أو البأس الشديد ، وهو تفسير بالنتيجة ، إنما هو من الله التدبير