إن الكون يسير على سنة الله وعلى نواميس محكمة يدبرها منشئ الكون وخالقه ، والقيوم عليه بحكمته وإرادته المختارة ، فهو الفعّال لما يريد .
وإن من سنته - سبحانه وتعالى - أن يوزع الأرزاق علمي من يستحقها في علمه المكنون ، وهو العزيز العليم ، وفي هذا النص الكريم يتبين أنه - سبحانه - يعطى القرى حسب إيمانها وتقواها ، ويشير إلى أنه إن أمهل الظالمين قاطع عليهم خيرهم جزاء ما اكتسبوا .
يقول سبحانه :
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا
.
وَلَوْ
يسمونها امتناع لامتناع ، وهي داخلة على فعل مقدر تقديره : لو ثبت أن أهل القرى - أي المجتمعات الكبيرة - التي يقرى إليها الناس آمنوا بالله حق إيمانه ، واتقوه حق تقاته لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ، وقوله تعالى :
لَفَتَحْنا
جواب ، و « اللام » دالة على الجواب ، والمراد - والله أعلم - أنزلنا عليهم من السماء ، وأنبتنا لهم النبات في الأرض ، على أن يكون ذلك بركة ، أي خيرا كثيرا ناميا ، فالظاهر إنزال المطر ، وإنبات ثمرات كل شئ من عند الله تعالى .
والتعبير ب « فتحنا » ، تعبير مجازى ، شبه فيه نزول المطر وانهماره بفتح السماء والأرض فشبه نزول المطر مدرارا من السماء عليهم بفتح باب يدخل فيه الناس أفواجا أفواجا ، وذكر قوله تعالى :
عَلَيْهِمْ
قرينة على أنه المطر ، وإن ارتباط الأرزاق بالتقوى والإيمان ذكره الرسل في دعواتهم إلى أقوامهم ، فقد قال نوح لقومه :
. . . اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً ( 10 ) يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً
( 11 ) [ نوح ] وقال هود لقومه :
. . . ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً . . .
( 52 ) [ هود ] ورسل الله تعالى لا يخدعون أقوامهم ، بل إنهم الصادقون المبعوثون رحمة للعالمين . ولقد قال في يونس وقومه :
وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ( 147 ) فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ
( 148 ) [ الصافات ] ، وقال تعالى :
فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ
( 98 ) [ يونس ] .