وخسروا أنفسهم بالاستمرار على غيهم ، وخسروا بالعذاب الأليم الذي ينزل والله سبحانه هو الذي يقى المؤمنين شر الغفلة والنسيان وأمن عذاب الله ، وجعلهم في فطنة دائمة واعتبار بأمر الله ونهيه ، وهو الهادي إلى سواء السبيل .
وقد حذر الله تعالى الذين يرثون الأرض بأسه الذي ينزل بهم ؛ ولذا قال :
أَ وَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ
( 100 ) .
الواو عاطفة ، وقدمت عليها همزة الاستفهام ؛ لأن الاستفهام له الصدارة في الذكر ، وإن هذه عبرة القصص من ذكر أولئك الذين ذكر الله - تعالى بيانه - ذكرهم ، وورث هؤلاء أرضهم .
والاستفهام إنكاري ، للنفي ، وهو حض للذين يرثون الأرض بعد أولئك الذي أنزل الله تعالى بأسه بهم ، ومن الذين ورثوا الأرض أهل مكة ، فهو تحريض لهم على النظر في العبر من هذا القصص الذي ذكر فيه مآل الكافرين من قوم نوح ، وعاد ، وثمود ، وقوم لوط ، وقوم شعيب ، وآثارهم بجوار الأرض التي يقيمون فيها ، فعليهم أن ينظروا ويعتبروا إن كانت لهم أبصار يعتبرون بها وعقول يهتدون بها .
وقوله تعالى :
أَ وَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها
، معناه يتبين لهم ، وقرئ بقراءة مشهورة متواترة : « أو لم نهد » ، بالنون بإسناد الهداية إلى الله ، ومعنى القول الكريم على هذا : أو لم نبين لهم هادين مرشدين معتبرين بالقصص ، أن لو نشأ أخذناهم بذنوبهم ، وأنزلنا عليهم البأس الذي نزل بغيرهم .
و « هدى » يتعدى بنفسه ، في المفعول الأول ، وباللام أو « إلى » في المفعول الثاني ، فيقال : هديناه إلى الخير ، أو : إلى الطريق ، أو للطريق .
وهنا في قوله تعالى :
أَ وَلَمْ يَهْدِ
فيه نهدى ، أو يهدى متضمنا معنى يبين ، وذكر لفظ الهداية للدلالة على أنه بيان للهداية الحقة .