تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 2910

مساهمون:

ص٢٩١٠
المحكم . والمكر قسمان : مكر سيئ وهو الذي يكون من الأشرار ، ونتيجته شر ، ومكر طيب وهو رد مكر الأشرار ، ونتيجته طيبة ، ولقد قال في شأن قريش في تدبيرهم للنبي صلى اللّه عليه وسلم أن يثبتوه أو يقتلوه أو يخرجوه :
وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ
( 54 ) [ آل عمران ] أي أنهم كانوا يدبرون لإيذاء النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ويمكرون المكر السيئ الذي لا يحيق إلا بأهله ، والله تعالى يدبر لنبيه نجاته منهم ، وهجرته من أرضهم من غير إخراج ، حتى يكون الفصل بينه وبينهم . والاستفهام إنكاري بمعنى النفي والتوبيخ ، فهم لا يأمنون مكر الله ، ويوبخهم الله - سبحانه وتعالى - لأنهم غفلوا عن الحق ، ونسوا تدبير الله تعالى المهلك لهم جزاء بما كسبوا ، وبما كذبوا بآيات الله ؛ لأنهم يأمنون مع ذلك العذاب الشديد ينزل بهم ، وهذه غفلة شديدة ، وعدم اعتبار بما كان لمن قبلهم ؛ ولذا ختم الله - سبحانه وتعالى - الآية بقوله :
فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ
. إن المؤمن يتفطن دائما لمقام قدرته تعالى بجوار قدرته ، وإذا عصى يتوقع عذاب الله تعالى من عصيانه ، ويتخوف ولا يأمن أن تنزل به العقوبة ، وإن المؤمن لفرط حسه بمعصيته ، وإيمانه بالله يخاف دائما عذابه ، ولا يرجو إهماله وقد عصاه ؛ ولذا كان من المبادئ الصوفية ( تغليب ) الخوف على الرجاء ؛ لأن الخوف من غير إسراف على النفس من ورائه التقوى ، والرجاء من غير أسبابه يفضى إلى الغرور ، ووراء الغرور الاستهانة بأمر الله تعالى ونهيه . والكافر يعصى ، ويرى عصيانه حسنا ، وينسى قوة الله ، وأنه يعاند ويحارب أمره ونهيه ، ناسيا أنه يعاند القوى القادر القهار الذي هو غالب على كل شئ ، وأنه لا إرادة لمخلوق بجوار إرادته - سبحانه وتعالى - وعلى ذلك يأمن عذاب الله وتدبيره ، وإن ذلك هو الخسران المبين ؛ ولذا حكم الله تعالى بأنه :
فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ
. وحكم الله تعالى بخسارتهم ، مؤكدا الخسارة بالقصر ، وأن الخسارة مقصورة عليهم ، وخسارتهم في أنهم خسروا أنفسهم فليسوا في حال عقلية مدركة ،
زهرة التفاسير — صفحة 2910 | محمد أبو زهرة