وكيف يختبرهم بالشر والخير فتنة ، وذكر هذه السنة سبحانه ، ليعتبروا بالقصص ، ويروا ما يصلح حالهم ، وما يحملهم على السير في طريق الخير ، وليعلموا أن الله تعالى يختبر بالنعمة ، ويعاقب من لا يشكر ، وليروا بأعينهم سنة الله تعالى في الظالمين ، وما ينزله من عقاب دنيوي يحل بديارهم فوق العقاب الأخروى الذي يستقبلهم ، فقال :
وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ
( 94 ) .
هذا بيان الله تعالى للأمة من الأمم إذا بعث فيها نبيها الذي يدعوها إلى الإيمان بالله تعالى وحده ، ويدعوها إلى الخير الذي يصلحون به في الدنيا والآخرة ، ويقدمون على الله يوم القيامة بالعمل الصالح ، فيجزيهم جزاءه وفقا لما قدموا ، فيقول تعالى :
وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ
أي في مجتمع أمة من الأمم
مِنْ نَبِيٍّ
من هنا بيانية ، والمعنى وما أرسلنا في مجتمع كبير ، فالقرية المجتمع الكبير الذي يقرى إليه الناس
إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ
أي أن الله تعالى لا يرسل نبيا مؤيدا بالمعجزات ، إلا يوطن النفوس به - عليه السلام - ببيان قدرة الله تعالى ، فيأخذها
بِالْبَأْساءِ
وهي شدائد الفقر والحرمان والتعرض للطغيان من الحكام ،
وَالضَّرَّاءِ
، وهي ما يصيب الأبدان من مرض شديد مختلف الأنواع ، لا قبل لهم به ، وإذا مسهم الضر دعوا الله تعالى ، وضرعوا إليه ، كما نزل بأهل مكة عند مقدم النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى هذا الكون الإنسانى .
وأخذ الله تعالى للقرى التي بعث فيها النبي بذلك ؛ لأن الشدة تولّد في قلب من عنده استعداد للإيمان الاتجاه إلى طلب النجاة ، فتخضع النفس للحق إذا دعيت إليه ، فإنه حيث الضعف أو الشعور به تنبع منابع الإيمان ، وتتجه النفوس إلى الديان ، وإن الله تعالى يختبرهم بذلك رجاء أن يضرعوا ويخضعوا ، ويذلوا له - سبحانه وتعالى - وحده ، فإنه وحده الخالق لكل شئ الذي يلجأ إليه عند هذه الشدائد .