وهكذا شأن الكافر ، تبئسه الشديدة ، وتطغيه النعمة ، فهو غير ثابت النفس ، منكر لحكم الله تعالى ، وأما المؤمن فقلبه مطمئن بالإيمان ثابت قار ؛ ولذا قال صلى اللّه عليه وسلم : « عجبا لأمر المؤمن ، إن أمره كله خير وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن ، إن أصابته سرّاء شكر فكان خيرا له ، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له » « 1 » فالنعم والنقم للمؤمن سواء في خيريتها ؛ النقم تصقله وتهذبه والنعم يحس فيها بوجوب شكر المنعم ، ولقد قال صلى اللّه عليه وسلم : « إن المؤمن إذا أصابه السقم ثم أعفاه اللّه منه كان كفارة لما مضى من ذنوبه وموعظة له فيما يستقبل ، وإن المنافق إذا مرض ثم أعفى كان كالبعير عقله أهله ثم أرسلوه فلم يدر لم عقلوه ، ولم يدر لم أرسلوه » « 2 » .
إن الجاحدين أذلتهم المحنة ، وأطغتهم النعمة وكفروا بالنبي الذي بعث لهم ، ولم تجد فيهم الشديدة ذاقوها ، ولا النعمة فاضت عليهم ، بل زادتهم النعمة جحودا ، وقالوا هكذا كان آباؤنا مستهم الضراء والسراء ، فسنة الأولين تجرى علينا ، ونسوا الله تعالى فأنساهم أنفسهم ، وبينا هم يرتعون فيما أنعم الله عليهم لاهين عنه - أنزل بهم عذابه فقال :
فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ
.
« الفاء » هنا لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، أي أنه بسبب أنه لم تجد فيهم الشدة ، وأغرتهم النعمة ، عاقبناهم ، فأخذناهم إلى الهلاك ، بالرجفة أو بريح فيها عذاب شديد ، أو جعلنا قريتهم عاليها سافلها ، وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل ، وكان ذلك بغتة ، لم يتوقعوا وقوعه ، بل جاءهم فجأة وهم لا يشعرون ، أي لا يحسون بأنه سينزل بهم ، وإن الفجاءة تكون شديدة على من لا يؤمن بالله تعالى ؛ لأنها تأخذه وهو في مرحه وعبثه ، وذلك بخلاف المؤمن ؛ ولذا قال صلى اللّه عليه وسلم : « موت الفجأة راحة للمؤمن ، وأخذه أسف للكافر » « 3 » .
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ
( 96 ) .
هامش
( 1 ) سبق تخريجه .
( 2 ) رواه الدارمي ، وأبو داود بزيادة فيه ، وراجع الفتح الكبير 1 / 332 ، ومشكاة المصابيح 2 / 612 .
( 3 ) رواه أحمد : باقي مسند الأنصار - باقي المسند السابق ( 24521 ) .