ولذا قال تعالى :
لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ
أي ليرجو الضراعة والخشوع لله تعالى ، وحيث كانت الضراعة ، كان انفتاح القلب للإيمان ؛ لأن الضراعة أعظم العبادة ، كما قال تعالى :
ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً . . .
( 55 ) . يختبرهم سبحانه من بعد الشدة بالنعمة ؛ ولذا قال سبحانه :
ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ
.
ثُمَّ
هنا لبيان التراخي والافتراق بين ما كانوا عليه من بأساء أصابت أحوالهم ، وضراء أصابت أجسامهم وما اختبرهم من نعماء عمتهم ، فالفارق المعنوي والحسى بينهما عظيم .
وقوله تعالى :
ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ
أي جعلنا بدل السيئة في مكانها الحسنة ، والسيئة هي ما يسوء وهي هنا البأساء والضراء ، لأنهما تسوءان ، والحسنة هي هنا الخير الذي يفيض به عليهم بعد الشدة ، وصور الله زيادة الخير بقوله تعالى :
حَتَّى عَفَوْا
، أي كثروا ، ونموا وزادوا ، فالعفو يطلق بمعنى الكثرة وبمعنى اليسير ، وبمعنى درس ، وقدم .
وهي هنا بمعنى كثروا ونموا ، وزاد الخير فيهم ، فعندئذ لا يذكر الجاحدون أنه فضل الله تعالى ونعمته ، وأنه إذا كانت الشدة توجب الضراعة ، فالنعمة توجب الشكر ، ولكنهم بدل أن يشكروا ، يقولون ذلك لنا وهو ما كان لأسلافنا وآبائنا مستهم الضراء والسراء ، وهكذا دواليك ، نسوا الله ، وحسبوها أمرا ينزل بهم خيرا بعد ضر ، وإذا كانوا ضرعوا في الشدة ، فقد كفروا بالنعمة وهم يمرحون ، وكذلك شأن الجاحد دائما كما قال تعالى :
وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ . .
. ( 12 ) [ يونس ] كما قال تعالى في شأن النفس الإنسانية :
وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ ( 9 ) وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ ( 10 ) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ
( 11 ) [ هود ] .