هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ
الضمير يعود إلى المتصف بهذه الصفات . وقوله :
الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ
معناه أن هذا الكتاب العظيم الشأن الذي هو ميزان الكتب السابقة وفرقانها ، أنزله الله العلى القدير المتصف بهذه الصفات عليك ، وقد اختارك موضع رسالته ، وأداء أمانته ، و
اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ . . .
( 124 ) [ الأنعام ] وهو أعلم بشأن الكتاب وما جاء فيه ، وتلقى الناس له ، ومقدار إدراكهم لما فيه ، وقد شاء بحكمته الواسعة أن يجعله قسمين ؛ أحدهما : يدركه كل الناس ، والثاني : فوق مستوى عامة الناس ، ولذا قال بعد ذلك :
مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ
( 7 ) أي أن القرآن من حيث بيانه وإدراك الناس له : محكم ، ومتشابه ؛ ولقد وجدنا القرآن الكريم وصف بأنه كله محكم في مثل قوله تعالى :
الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ . . .
( 1 ) [ هود ] أي أنها نزلت محكمة لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها ؛ ووصفه الله سبحانه وتعالى بأنه متشابه ؛ فقد قال تعالى :
كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ . . .
( 23 ) [ الزمر ] ومعنى التشابه هنا هو أنه على شاكلة واحدة من حيث قوة تأثيره ، وتآخى معانيه ، وإحكام نسقه ، وفصاحة ألفاظه ، وقوة تأثيره بألفاظه ومعانيه ؛ فهو في هذا متشابه ، أي يشبه بعضه بعضا .
وفي هذه الآية التي نتكلم في معانيها وصف القرآن بأن منه آيات محكمات ، وأخر متشابهات ؛ فلا شك أن معنى محكم هنا غير معناها في قوله تعالى :
كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ . . .
( 1 ) ومتشابه غير معناها في قوله تعالى :
اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ . . .
( 23 ) وإن ذلك يتضح من تفسير كلمة محكم ومتشابه في أصل معناها اللغوي . وهذا ما جاء في كتب اللغة : العرب تقول : حاكمت وحكمت وأحكمت بمعنى رددت ومنعت ، والحاكم يمنع الظالم من الظلم ، وحكمة اللجام هي التي تمنع الفرس من الاضطراب .
وروى إبراهيم النخعي : أحكم اليتيم كما تحكم ولدك . أي امنعه عن الفساد .