إن الوجهين معا مرادان ، وسنختار ذلك ، ونبين وجهه عندما نتكلم في تأويل المتشابه إن شاء اللّه تعالى .
وإن وجود هذين القسمين في القرآن الكريم كان سببا في أن وجد الذين زاغوا وأضلهم اللّه على علم سبيلا لأن يفتنوا الناس عن دينهم ويضلوهم ؛ وذلك بمحاولة تأويل المتشابه من غير أن يلاحظوا الموافقة بينه وبين الآيات المحكمات وهن أم الكتاب ؛ ولذا قال سبحانه :
فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ
في هذه الآية الكريمة يبين سبحانه وتعالى أن الذين يتلقون هدى القرآن قسمان ، كما أن آيات القرآن قسمان ، ولكلام اللّه تعالى المثل الأعلى ؛ فالقسم الأول يتلقى الهدى القرآني مستضيئا بنوره آخذا بهديه ؛ ما يعرفه يهتدى به ، وما لا يعرفه يؤمن به ، ويفوض فيه الأمر إلى ربه ، ويقول :
قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ
( 86 ) [ ص ] . والقسم الثاني زاغ ، فأزاغه اللّه عن الحق . وقد ذكر اللّه ذلك القسم ، ويفهم القسم الأول من قوله تعالى في حق الراسخين في العلم أنهم يقولون :
رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا .
والزيغ أصل معناه في اللغة : الميل عن الاستقامة . والتزايغ التمايل ، ورجل زائغ : أي مائل عن الطريق المستقيم في طلب الحق . والمعنى على هذا : أن الذين في قلوبهم زيغ ، أي ميل عن طلب الحق وعدم أخذ بالمنهج المستقيم ، لا يتجهون إلى المحكم يطلبون منه حكم القرآن ، بل يتبعون ما تشابه من القرآن ؛ لأنه بغيتهم ، ويجدون في الاشتباه ما يتفق مع اعوجاج نفوسهم ، وعدم استقامة تفكيرهم ، وما ينطوى عليه مقصدهم الباطل ؛ فإن اعوجاج القلوب يجئ من تحكم الهوى في
هامش
9 - وقال ابن تيمية : المحكم : ما يجب الإيمان به والعمل به ، والمتشابه ما يجب الإيمان به من غير تكليف بعمل .
10 - ومنها أن المتشابه آيات الصفات ، وغيرها محكم .
11 - وقال ابن حزم الظاهري : كل القرآن محكم ما عدا الحروف التي ابتدئت بها بعض السور ، وأقسام القرآن مثل قوله تعالى :وَالشَّمْسِ وَضُحاها( 1 ) [ الشمس ] .