تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 1105

مساهمون:

ص١١٠٥
في الأرض ولا في السماء . وهذه الآية تفيد أن الله سبحانه وتعالى يعلم الإنسان لا بعد أن استوى وصار في أحسن تقويم ، بل يعلمه وهو نطفة لفظت ، ثم استقرت في الأرحام ، ويعلمه كذلك علم المكوّن المنشئ المربى الذي يتولى بقدرته تصويره حتى يصير بشرا سويا . والتصوير : مأخوذ من مادة صار إلى كذا بمعنى تحول إليه ، أو من صاره إلى كذا بمعنى أماله وحوله ؛ فالتصوير معناه إذن تحويل شئ من حال إلى حال مغيّرا في شكله وهيئته بإمالته من مشابهة شئ إلى مشابهة شئ آخر ؛ وكذلك صنع الله تعالى في النطفة ؛ فإنه يحولها إلى علقة ، ومن علقة إلى مضغة ، ثم يجعل المضغة عظاما ، وهكذا ، وتحويل الله وتصويره ليس تغييرا في الشكل ، بل هو تنمية ، وتكوين ، وتدرج في هذا التكوين يستمر من وقت إيداع النطفة في مستودعها ، حتى يصير إنسانا في أحسن تقويم ، بل يستمر التكوين حتى يبلغ أشده . والأرحام : جمع رحم ، وهو مستودع النطفة في المرأة الذي فيه يتربى وينمو ، ويجرى تصوير الله له وتكوينه إياه ، حتى يبرز في الوجود حيا يحس ويسمع ، ثم يعلم ويتعلم ؛ والله سبحانه وتعالى على كل شئ قدير . وقوله تعالى :
كَيْفَ يَشاءُ
فيه بيان لأمرين : أحدهما : أن هذا التكوين تبع لمشيئة الله وإرادته ، فلم يكن وجوده كوجود المعلول من علته ، وكالمسبب من سببه ، إنما وجوده وتكوينه ونموه بإرادة الله تعالى ومشيئته ، وهو فعال لما يريد . الأمر الثاني : بيان أن الله وحده هو الذي يجعله ذكرا أو أنثى ، وجميلا أو دميما ، وأبيض أو أسود ، بل إنه سبحانه يكتبه وهو في رحم أمه شقيا أو سعيدا ، مؤمنا أو كافرا ، عالما أو جاهلا ، تعالى الله سبحان في علمه علوا كبيرا .