تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 1109

مساهمون:

ص١١٠٩
وقال ابن جرير الطبري : أحكموا سفهاءكم أي امنعوهم ، وبناء محكم أي وثيق يمنع من تعرض له . وسميت الحكمة حكمة لأنها تمنع عما لا ينبغي . وأما التشابه فهو أن يكون أحد الشيئين مشابها للآخر ، بحيث يعجز الذهن عن التمييز ؛ قال تعالى :
إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا . . .
( 70 ) [ البقرة ] وقال في وصف ثمار الجنة
وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً . . .
( 25 ) [ البقرة ] أي متفق المنظر مختلف الطعوم ، وقال تعالى :
تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ . . .
( 118 ) [ البقرة ] . ومنه يقال : اشتبه علىّ الأمران ، إذا لم يفرق بينهما وقال عليه الصلاة والسلام : « الحلال بيّن ، والحرام بيّن ، وبينهما أمور متشابهات » . وفي رواية أخرى « مشتبهات » « 1 » . ثم لما كان من شأن المتشابهين عجز الإنسان عن التمييز بينهما سمى كل ما لا يهتدى الإنسان إليه بالمتشابه إطلاقا ، سواء أكان له مشابه أم لم يكن له مشابه « 2 » . وعلى هذا الأساس اللغوي ، نقول : إن التشابه في القرآن أطلق على ما لا يمكن فهمه مطلقا ، أو ما لا يمكن معرفة حقيقته على الوجه الأكمل ، أو ما يدق ويختفى على العامة ، ولا يستغلق على الخاصة . هذان هما الوجهان اللذان يحتملهما معنى التشابه ؛ فإما أن نقول إنه ما لا يمكن معرفة حقيقته على الوجه الأكمل في هذه الدنيا ، وإما أن نقول إنه ما يمكن معرفته ولكن لبعض الخاصة الراسخين في العلم ، والمحكم هو ما يقابل المتشابه ، وهو الواضح البين للعامة والخاصة الذي لا تتفاوت في إدراكه الأنظار ، وما يمكن معرفة حقيقته على الوجه الأكمل ؛ وهو أم الكتاب ؛ لأنه الأصل الذي يجب على كل مؤمن معرفته ، والجزم بمعناه ، والتصديق بمغزاه . فالآيات المحكمات أم الكتاب ، أي أصله الذي يرجع إليه ، ويحمل المتشابه عليه ، ويخرج بتخريج لا يناقضه إن كان ممكن الإدراك على الوجه الكامل . فالآيات المحكمات هي الحكم الذي يفصل بين التأويل الزائغ ، والتأويل الصادق ، فما شهدت له ، فهو الصادق الذي يتفق مع أصل التنزيل ، وما يخالفه فهو الزيغ في الدين ، والخروج عن جادته .
هامش
( 1 ) متفق عليه وقد سبق تخريجه بألفاظه . ( 2 ) جاء في هامش الأصل هذا التحقيق اللغوي منقول من التفسير الكبير للفخر الرازي ، بتصرف قليل .