تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 1103

مساهمون:

ص١١٠٣
للإشارة إلى أن الذين يكفرون بمحمد إنما يكفرون بشرائع الله المنزلة كلها ؛ لأن شريعته كمالها ، وبها تمامها وختامها ؛ وللإشارة إلى أن اليهود والنصارى الذين لا يتبعون محمدا ، إنما يكفرون بحقيقة النصرانية نفسها ، واليهودية ذاتها إذ يكفرون بمحمد صلى اللّه عليه وسلم ؛ فليست رسالة محمد إلا الخطوة الأخيرة في الشرائع الإلهية ، وهي الكمال ، وقد بشرت به الكتب السابقة كلها ، فالكفر به كفر بها ، والإسلام سيمر بالشرع الإلهى إلى أقصى غايته ؛ ولو كان موسى حيا ما وسعه إلا الإيمان بما جاء به محمد كما أشار بذلك النبي صلى اللّه عليه وسلم . ومن أجل هذا كان الذين يكفرون بمحمد لهم عذاب شديد ، وخصوصا إذا كانوا من اليهود والنصارى ؛ لأنهم حينئذ يكفرون بكل آيات الله تعالى . ثم وصف سبحانه ذاته الكريمة بما يفيد أنه غالب ، وأنه لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ، فقال :
وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ
أي أنه سبحانه بعزته غالب على كل شئ ، مسيطر على كل شئ ، ليس فوقه أحد ، وهو القاهر فوق عباده . وهو ذو انتقام ؛ أي أنه سبحانه له انتقام شديد لا يدرك كنهه ؛ ولذلك نكّر الانتقام . والانتقام إنزال النقمة والشدة في مقابل ما يرتكبه الشخص ؛ فإن كان من عادل حكيم كان عقوبة عادلة ، وجزاء وفاقا ؛ وكذلك يكون عقاب الله تعالى ؛ فانتقام الله ليس تشفيا وشفاء غيظ كما هو الشأن من البشر ، بل انتقام الله عقوبة عادلة ، وقصاص رادع . وعبر ب
ذُو انْتِقامٍ ،
أي صاحب انتقام ؛ للإشارة إلى أن هذا الانتقام في قدرته سبحانه وسلطانه ينزله أنى شاء ، ومتى شاء بمقتضى حكمته وإرادته وقدرته ، وعلمه الذي يحيط بكل شئ ؛ ولذا قال بعد ذلك :
زهرة التفاسير — صفحة 1103 | محمد أبو زهرة