في الشرائع السابقة ، وهي تتضمن أنها كانت هداية للناس ؛ وهذه الجملة تصرح بأن التوراة أنزلت هي والإنجيل من عند الله هداية للذين أنزلت لهم . وفي هذه الجملة إشارة إلى معنى آخر ، وهو أن لكل أمة كتابا وهداية خاصة ، وإن كانت في معناها مشتقة من الهدى الإلهى العام ، حتى إذا كانت دعوة محمد صلى اللّه عليه وسلم كانت هي الهدى العام الخالد إلى يوم القيامة .
التَّوْراةَ
اسم للكتاب الذي اشتمل على شريعة موسى عليه السلام ، ونزل عليه من رب العالمين ، وليست هي التوراة التي يتلوها اليهود اليوم ؛ لأن هذه التي تسمى بهذا الاسم الآن تشمل ما نزل في عهد موسى ، وتشمل ما جاء بعد ذلك في عهد النبيين الذين بعثوا في بني إسرائيل كداود وسليمان وغيرهما ، وفوق ذلك فإن القرآن الكريم أشار في عدة مواضع إلى أن أهل الكتاب نسوا حظا مما ذكروا به ، وحرفوا الكلم عن مواضعه ، وغيروا وبدلوا ، ثم كانت التخريبات التي حلت بأورشليم في عهد بختنصر أولا ، ثم في عهد الرومان ثانيا سببا في أنهم نسوا حظا مما ذكّروا به ، فليست التوراة المذكورة في القرآن هي التوراة الشائعة الآن .
وَالْإِنْجِيلَ
كلمة يونانية « 1 » معناها البشارة ، والإنجيل هو الكتاب الذي نزل على عيسى ، وليس هو هذه الأناجيل التي يقرؤها المسيحيون اليوم ، فإن هذه مؤلفات ألفت بعد السيد المسيح عيسى عليه السلام ؛ نسبت إلى بعض الحواريين من أصحابه ؛ ولقد كان للمسيح عليه السلام إنجيل غير هذه الأناجيل ، وهو الذي ذكره القرآن الكريم على أنه هداية للناس . ولقد قرر الأحرار من النصارى ذلك ؛ فقد قال أكهارن من مؤلفي تاريخ النصرانية : « إنه كان في ابتداء المسيحية رسالة مختصرة يجوز أن يقال إنها هي الإنجيل الأصلي ، والغالب أن هذا الإنجيل كان للمريدين الذين لم يسمعوا أقوال المسيح بآذانهم ولم يروا أحواله بأعينهم ، وكان هذا الإنجيل بمنزلة القلب ، وما كانت الأحوال المسيحية مكتوبة فيه على الترتيب » « 2 » .
هامش
( 1 ) وقيل : سريانية ، وقيل : أعجمية ( اللباب 5 / 19 - 20 ) .
( 2 ) راجع تاريخ الأناجيل وصحة نسبتها في كتاب « محاضرات في النصرانية » للأستاذ محمد أبو زهرة ، دار الفكر العربي .