تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 1090

مساهمون:

ص١٠٩٠
وإن هذا هو مقام الخوف الذي يجب أن يغلّبه المؤمن ؛ ولذا كان محمد صلى اللّه عليه وسلم يقول : « إني أخشاكم لله » « 1 » ومقام الخوف من قوة الإيمان ، والغرور من ضعف الإيمان ، فلا يليق بمؤمن أن يغتر بعبادته ، فإن هذا ينقصها أو دليل على نقصها ، ويقول الصوفية : إن معصية أورثت ذلا واستخذاء خير من طاعة أورثت عزا وافتخارا . والخاصة الثالثة - التفويض إلى الله تعالى ، والإيمان باليوم الآخر ؛ ولذا قال تعالى عنهم :
وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ
وإن هذا مقام التفويض والإيمان بالقدر خيره وشره ، وهو مع ذلك يتضمن الإيمان باليوم الآخر ؛ فالمؤمن الحق يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ، ويذعن للحق ويعمل به غير مغتر بعمله ؛ بل يرجو عفو ربه وغفرانه ، ثم يفوض أموره إلى ربه ، عالما بأن المآل إليه ومصيره عنده سبحانه وتعالى .
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
قال الزمخشري في تفسيره : « الوسع ما يسع الإنسان ولا يضيق عليه ولا يحرج فيه ، أي لا يكلفها إلا ما يتسع فيه طوقه ، ويتيسر عليه دون مدى الطاقة والمجهود . وهذا إخبار عن عدله ورحمته كقوله تعالى :
يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ . . .
( 185 ) [ البقرة ] لأنه كان في إمكان الإنسان وطاقته أن يصلى أكثر من الخمس ، ويصوم أكثر من الشهر ، ويحج أكثر من حجة ) ، وهذا الكلام يستفاد منه أن الوسع غير الطاقة ، فالطاقة هي غاية المجهود وأقصاه ، وما يفعله الإنسان قادرا عليه ولكن في تعب وجهد ، والوسع ما يكون في الإمكان ، ولكن تكون بعد الأداء سعة من قدرة على أداء غيره ، ولكن لا يؤدى الزيادة إلا بجهد . ولا يفهم من هذا أن تكليف الوسع لا تكون فيه مشقة قط ، بل إن كل تكليف هو أمر بما فيه كلفة ، وهي المشقة ؛ وعلى ذلك تكون التكليفات الشرعية لها ثلاث خواص ملازمة : وهي أن فيها مشقة محتملة ، وأنها تكون في الوسع والقدرة من غير حرج ولا ضيق ، وأنها تكون من غير مجهود شديد يكون
هامش
( 1 ) روى البخاري : الإيمان - أنا أعلمكم ( 19 ) .