وقد سأل سائل : لما ذا ذكر الله سبحانه عن أحوالهم هذا الدعاء مع أنه مرفوع عن أمة محمد بقوله صلى اللّه عليه وسلم : « رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه » ؟ « 1 » وقد أجاب عن ذلك الزمخشري فقال : « إنهم كانوا متقين الله حق تقاته ، فما كانت تفرط منهم فرطة إلا على وجه النسيان والخطأ ، فكان وصفهم بالدعاء بذلك إيذانا ببراءة ساحتهم عما يؤاخذون به ، كأنه قيل : إن كان النسيان والخطأ مما يؤاخذ به فما فيهم سبب المؤاخذة إلا الخطأ والنسيان ويجوز أن يدعو الإنسان بما علم أنه حاصل له قبل الدعاء من فضل الله لاستدامته والاعتداد بالنعمة فيه » . هذه إجابة قيمة ، وأزيد عليها أن المتقين أرهفت ضمائرهم وقويت نفوسهم ، واشتدت خشيتهم من الله ، حتى لقد أحسوا من فرط حساسيتهم أنهم محاسبون على ما لا حساب عليه ؛ وإن المؤمن التقى يستكثر هفواته ، ويستقل حسناته ، وإن النسيان والخطأ قد توهموا فيهما أن يكون سببهما الإهمال وعدم العناية ، وهما كذلك أحيانا ، فكان فرط إحساسهم مرجحا لجانب المؤاخذة على جانب العفو ، وجانب الخوف على جانب الرجاء ، فكان الدعاء .
رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا
الإصر : هو العبء الكبير ، مأخوذ من أصر بمعنى حبس ، فكأنه لثقله يحبس صاحبه في مكانه فيمنعه من الحركة ، وحمل عليه بمعنى وضع عليه وألقى عليه . وهذا هو الدعاء الثاني ، ومعناه أن أولئك المتقين حالهم حال ضراعة لربهم بألا يلقى عليهم آصارا شدادا من التكليفات تثقل عليهم حتى يعجزوا عن أدائها أو لا يؤدوها إلا في حال من الشدة ، كما حمل الله جلت قدرته وعلت حكمته على الذين من قبلهم . ولكن ما هذه الآصار ، وتلك الأعباء ؟ أهي أعباء من التكليفات تتعلق بالأوامر الشرعية والنواهي ، أم هي ما يبتلى به المؤمن من شدائد واختبارات كما ابتلى الذين من قبلهم في قوله تعالى :
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ
هامش
( 1 ) فتح الباري : الأيمان والنذور - ( 6171 ) وأخرجه ابن ماجة من حديث ابن عبّاس - كتاب الطلاق - طلاق المكره والناسي ( 2035 ) .