وقد يقال : لما ذا ذكر الإيمان بهؤلاء بجوار الإيمان بالله تعالى ؟ والجواب عن ذلك أن بعض المنحرفين من أهل الأديان السابقين كانوا يذكرون بغير الخير وبالعداوة بعض الملائكة كجبريل الأمين ، فبين سبحانه أن الملائكة جميعا من غير استثناء يجب الإيمان بهم ، والإذعان لكل ما ينزلون به من رسالات ربهم ، وكذلك الكتب السابقة ، والنبيون السابقون ؛ فمن بني إسرائيل من قتلوا بعض النبيين ، وكفروا ببعضهم وحرضوا على قتله ، فبين سبحانه وجوب الإيمان بكل الرسل من غير استثناء ؛ لأنهم المبلغون للناس رسالات الله ، وفوق ذلك فإن هذا الذكر المفصل يفيد اشتراك المؤمنين جميعا في عناصر الإيمان ، وأن الإسلام امتداد لسائر الأديان المنزلة ؛ وهو الخطوة الأخيرة في شرائع السماء إلى الأرض ، وأن من يؤمن بالإسلام يؤمن بكل الأديان والشرائع التي أنزلت على الرسل غير محرفة ولا مبدلة ؛ فهو دين الوحدة الإنسانية ، كما هو دين التوحيد الإلهى . والإيمان بالله تعالى هو الإيمان بوحدانيته تعالى في الذات ؛ فليس لله سبحانه وتعالى مشابه له من الحوادث
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
( 11 ) [ الشورى ] وبوحدانية الله في الخلق والتكوين ، فهو سبحانه الخالق لكل شئ ، وليس لأحد مهما يكن شركة لله سبحانه في الخلق والتكوين ؛ ووحدانية العبودية ؛ فلا يعبد مع الله أحدا ؛ لأنه المنعم بهذا الوجود ، وليس أحد يستحق معه العبادة ؛ إذ لا يماثله أحد ؛ تعالى الله عما يقوله المشركون علوا كبيرا .
وهنا ملاحظة لفظية يجب أن نشير إليها ، وهي لفظ « كل » وعدم إضافته ، إذ قال سبحانه :
كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ
و « كل » سواء أضيفت باللفظ أم لم تضف ، على نية الإضافة ؛ فالمعنى : كل فريق من هذين الفريقين ، وهما الرسول والمؤمنون وذكر كل على هذا فيه إشارة إلى مرتبة النبيين ، وأنها أعلى من مرتبة المؤمنين ولو كانوا صادقين ، وإن جمعهما المولى القدير في نسبة واحدة ، تعالت كلمات الله سبحانه .
لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ
هذا التفات في القول ، وهو منهاج بلاغى ، فبعد أن كان الكلام بصيغة الحكاية عن النبي صلى اللّه عليه وسلم والمؤمنين ، صار بصيغة المتحدثين عن أنفسهم هم ، وهي أن حالهم في هذا الإيمان أنهم لا يفرقون بين رسول ورسول ،