تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 1089

مساهمون:

ص١٠٨٩
فيؤمنوا ببعض ويكفروا ببعض ، وهناك قراءة أخرى ، وهي : ( لا يفرق بين أحد من رسله ) والضمير في الفعل « يفرق » يعود في هذه القراءة على « كل » ولفظ « كل » مفرد ، فيعود الضمير عليه مفردا وإن كان معناه جمعا ، وقد يعود الضمير جمعا ملاحظا في ذلك المعنى لا اللفظ . ومعنى هذه الجملة السامية هو تصريح بما تضمنه ما قبلها ؛ لأن ما قبلها تضمن أنهم يؤمنون بكل الرسل ، ومقتضى ذلك أنهم لا يفرقون في الإيمان بهم وكونهم مبعوثين من عند الله بين رسول ورسول ، وعدم التفرقة لا صلة لها بالتفضيل في الدرجات ؛ لأن ذلك من فضل الله إذ يقول :
تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ . . .
( 253 ) [ البقرة ] ، ولأن موضوع التفرقة وعدم التفرقة هو في الإيمان .
وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ
في هذه الجمل السامية يبين سبحانه وتعالى خواص الإيمان التي لا تفارقه إلا إذا اعتراه نقص ، وبمقدار نقصها يتخلف المؤمن عن مراتب الكمال ، ودرجات الفوز . وأول خاصة من خواص الإيمان ، ومظهر من مظاهره - الاستماع لما يدعو إليه استماع متعرف طالب لحقيقته متقص لغاياته ، متجرد من الأهواء والشهوات ، حتى إذا عرف الحق في الشرع سائغا أطاعه غير متململ ، وصبر على تكليفه غير متضجر ؛ فمن طلب الدين مؤولا نصوصه على غير وجهها خضوعا لأهواء زمانه ، أو خضوعا لهواه ، فهو غير مستمع ولا طائع ، نعوذ بالله العزيز الكريم . والخاصة الثانية - أن يحس المؤمن بالتقصير مهما يكن مؤديا لواجب الطاعة ، فإن ذلك الإحساس يرهف الوجدان ، ويجعله على مخافة من الزلل ، فيتجنب الشطط ، ويلتزم الاعتدال ؛ ولذلك قال في هذه الخاصة رب النفوس ومقلب القلوب :
غُفْرانَكَ رَبَّنا
أي أنهم لفرط إحساسهم وخشية التقصير ، لأن هذا الدين متين ، يضرعون إلى الله دائما طالبين المغفرة ، ويقولون :
غُفْرانَكَ رَبَّنا
أي اغفر لنا غفرانك الذي هو من مقتضى رحمتك ونعمك التي تفيض علينا دائما ، وأنت ربنا الذي خلقنا وربانا ونمانا ، والعليم بأحوالنا .