فيه » وهذا التعليل قد يشير إلى أن الشر الكبير الذي تعتمله النفس وتجد فيه ، وتلح وتستمر عليه ، هو موضع المؤاخذة ، والضئيل قد يكون موضع العفو ؛ أي ما تفعله النفس من خير فكله موضع ثواب ، قل أو جل ؛ وذلك معنى صحيح .
ولكن هناك تعليلا آخر نراه ، وهو أن التعبير باكتسب يفيد معنى الاعتمال ، وهو ما يفعله الإنسان غير منساق إليه ، والطبيعة الإنسانية تنحو نحو الخير ، والشر ضد الفطرة وضد الوجدان والضمير ، ومن يفعله يغالب فطرته ثم لا يلبث إلا قليلا حتى يذوق شجرة الشر فينساق ، وإن الإنسان ليرى ذلك في كل من يرتكب الجرائم ، فهو يبتدئ بالجريمة مغالبا نفسه ثم تطاوعه ثم ينساق ؛ فالقاتل كذلك ، والسارق ، والزاني ؛ أول جريمة يرتكبها بتعمل ، ثم يألف الارتكاب فيكون سهلا ؛ لذلك عبر عن الشر بالاكتساب ؛ لأنه ضد الفطرة التي فطر الله الناس عليها ، وضد الضمير ، وعبر عن الخير هنا بالكسب لأنه الفطرة .
وبعد بيان سنة الله في التكليف وجزائه ذكر سبحانه حال المؤمن المخلص في ضراعته ، وضراعته بالالتجاء إلى ربه ودعائه ، وقد ذكر سبحانه ستة أدعية تفيد هذه الضراعة وتشير إلى رحمة الله تعالى وخواص شرعه الشريف .
رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا
هذا هو الدعاء الأول ، وقد ابتدأ بنداء الله سبحانه ب « ربنا » لكمال الضراعة والشعور بالربوبية ، وكمال إنعام الله تعالى ، وضعف المخلوق أمام الخالق ، ووفاء المنعم عليه أمام المنعم ، وللإشعار بأن ما تضمنه الدعاء من النعم التي أنعم بها ، وكمال الربوبية التي ربّ الناس بها .
والمؤاخذة معناها المجازاة ، وأصلها من الأخذ . وفي التعبير عن المجازاة بالمؤاخذة إشارة إلى أن ما يستحقون من عقاب هو في نظير ما أخذوا من نعم لم يعرفوا حقها ، فهم أخذوها وجحدوها ، فأخذهم الله تعالى بحقها .