بيّن الله سبحانه وتعالى في الآية السابقة الجرم العظيم الذي يقع فيه آكل الربا ، والأثر الذي ينال نفوسهم وعقولهم من مغبة إثمهم ، والعذاب الأليم الذي يرتقبهم يوم القيامة ؛ ثم بيّن سبحانه بعد ذلك جزاء الصالحين الذين لا يأكلون الربا ، والذين يستبدلون بأكل أموال الناس بالباطل الزكاة يؤدونها ، والفرائض يقيمونها ، وحق الله والناس في أنفسهم وأموالهم يأتون به على الوجه الأكمل ؛ وبعد بيان تلك المرتبة العالية لأهل الإيمان ، ذكر الطريق لتوبة أكلة الربا ، والمسلك الذي يسلكونه ليرتفعوا إلى مرتبة الطاهرين ، وعاقبة السوء إن استمروا في غيّهم يعمهون .
ابتدأ سبحانه ببيان الأطهار في مالهم وأنفسهم فقال سبحانه :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ
ذكر سبحانه ذلك الصنف الفاضل الذي جعله الله تعالى من صفوة عباده ، فوصفه بأربع صفات ، هي : الإيمان . . والعمل الصالح . . وإقامة الصلاة . . وإيتاء الزكاة .
أما الوصف الأول فهو الإيمان ، فهو نور القلب به يشرق وبه يهتدى ، وإذا قوى الإيمان تطهرت النفس من كل أدران الهوى ومقاصد السوء . وذكر القرآن الإيمان في أول أوصاف الأبرار لثلاثة أمور :
أولها : إن الإيمان بالله ورسوله إذا استغرق النفس ، واستولى على القلب وجد الإخلاص للناس وطلب الحق ، فاتجه الإنسان بكل جوارحه إليه ؛ والإخلاص هو النور الذي يهتدى به الإنسان ويحميه من كل حيرة .
وثانيها : إن الإيمان الذي هو الوصف الثابت للمؤمنين هو والربا نقيضان لا يجتمعان ؛ فما من شخص يأكل الربا أو يبيحه إلا كان منشأ ذلك نقصا في إيمانه ، واضطرابا في يقينه ؛ إذ يكون إيمانه بالمال أكثر من إيمانه بالله .
وثالثها : إن الإيمان يتضمن معنى الإذعان للحق ، ومن ادعى الإيمان ولم يذعن للحق ، فقد جافى حقيقته .
من أجل هذه المعاني صدّرت أوصاف الذين لا يأكلون الربا بوصف الإيمان .