تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 1049

مساهمون:

ص١٠٤٩
الله فله ما سلف من أمره ، أي لا يعاقبه سبحانه على ما سلف من أمره قبل وجود الأمر والنهى فالإسلام يجبّ ما قبله ، وقانونه لا يطبق على الماضي قبله ، فما أكله المرابى من قبل تحريم الربا فلا عقاب عليه وهو ملك له ، وليس له أي حق ربوى بعد التحريم ، وليس كذلك من أكل الربا بعد التحريم فإنه لا تجبّه توبة حتى يعطى المال لصاحبه ؛ لأنه أكل لمال الناس بالباطل ، وقد أكل بعد النص على التحريم ، فإن لم يعرف له صاحب فإن عليه أن يتصدق به ، ولعل الله سبحانه وتعالى يقبل توبته . ولقد قال الله سبحانه :
وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ
أي أمر المرابى الذي رابى قبل التحريم إلى ربه ، وهو العفو الغفور الرحيم ؛ وفي هذا إشارة إلى أن ما يحرمه الشارع الإسلامي لا يكون مباحا قبل التحريم بل يكون في مرتبة العفو من الله سبحانه ، وأمره إليه تعالت حكمته . هذا شأن من انته ، أما من عاد إلى المحرم بعد تحريمه ، فقد بينه سبحانه بقوله :
وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ .
أي ومن عاد إلى حكم الجاهلية بعد إذ بين سبحانه حكم الإسلام فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون . وفي هذا التعبير الكريم إشارات بيانية إلى عدة معان ، منها : أولا : تأكيد العقاب النازل بهم بالتعبير ب « أولئك » التي تدل على البعيد ، فإنهم بعيدون عن رحمة الله تعالى ، والتعبير بالجملة الاسمية ، وفيه فضل توكيد ؛ وتأكيد القول ب « هم » ؛ والتعبير ب « أصحاب » ، فإنه يدل على ملازمة العقاب . وثانيا : أنه سبحانه قال
فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ
ولم يقل فعقابهم ، للإشارة إلى الملازمة بين الجريمة والعقاب ، وإلى أن العقاب ثمرتها . وثالثا : الإشارة إلى أن المعاند لإرادة الله سبحانه وتعالى ، والمستحل لما حرم الله تعالى إذ يحكم بالحل وقد حكم سبحانه بالتحريم كافر ؛ ولذا حكم الله سبحانه بأنه خالد في النار ، ولا يخلد في النار مؤمن .
زهرة التفاسير — صفحة 1049 | محمد أبو زهرة