والجزاء الثالث : أنهم لا يحزنون ؛ وذلك لأنهم باستقامة قلوبهم ، وامتلائها بالإيمان وتهذيب أرواحهم وأدائهم ما عليهم من واجب في حق أنفسهم ومجتمعهم - قد حصنوا أنفسهم من أسباب الهم والغم ، فلا يأسون على ما يفوتهم ، ولا يجزعون لما يصيبهم ؛ لأن نفوسهم روحانية تعلو عن متنازع الأهواء التي تملأ النفس بأسباب الهم والغمّ .
وإن ذكر هذه الأحوال في مقام مقابل لحال الربويين الذين لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المسّ - له مغزاه ومعناه ؛ إذ فيه بيان للنعيم في مقابل الجحيم ، وللراحة والاطمئنان ، في مقابل الجزع والاضطراب ، وكل امرئ بما كسب رهين .
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
في هذه الآية الكريمة يبين سبحانه وتعالى طريق التوبة من الربا ، والخروج من مآثمه ، ويحث على هذه التوبة بإثبات أنها من مقتضيات الإيمان ؛ وأول طرق التوبة لمن خوطبوا بالقرآن أول نزوله ، أن يتركوا ما بقي من الربا ؛ فما كسبوه قبل الخطاب بالتحريم فإنه في مرتبة العفو ، أما ما يجئ من بعد ذلك ولو كان بعقد سابق فإنه حرام ؛ ولذا خاطبهم سبحانه وتعالى بقوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
وفي ذلك نهى عن أخذ ما استحق بالعقود السابقة ؛ وقد تأكد النهى بثلاثة مؤكدات :
أولها : تصدير النداء
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
فإن ذلك التصدير لبيان أن ترك الربا من شأن الإيمان ومقتضياته ، فليس من خلق أهل الإيمان بالله ورسوله وكتابه وما اشتمل عليه من أخلاق سامية ومبادئ اجتماعية عالية ، أن يأكلوا الربا وأن يتعاملوا به ؛ لأنه ضد تهذيب النفس وسمو الروح ؛ إذ هو شره مادي وكسب بغير الطريق الطبعي ، ولأنه يقوض بنيان الاجتماع ، ويجعل كل واحد من آحاده ينظر إلى الآخر نظر القنيصة التي يقتنصها والفريسة التي يفترسها ، فتنقطع الأوصال ، وينتثر العقد الجامع .