وكذلك جنّ الرجل معناه ضربته الجن ، ورأيتهم لهم في الجنّ قصص وأخبار وعجائب ، وإنكار ذلك عندهم كإنكار المشاهدات .
وإن هذا الكلام يفيد بفحواه أن العرب يزعمون صلة بين الجنون والجن ، وأنه من مسّ شياطين الجنّ ، وأن القرآن ورد التعبير فيه على مثل ما كانوا يعبرون ، وإن لم يكن ذلك حقيقة مقررة في الإسلام عند الزمخشري .
ولكن وردت أحاديث تفيد أن الشيطان يمس الإنسان ، ويكون لمسّه أثر في فكره وعقله ؛ فهل نترك ظواهر هذه الأحاديث مثل قوله صلى اللّه عليه وسلم فيما رواه النسائي :
« اللهم إني أعوذ بك من التردى والهدم والغرق والحريق ، وأعوذ بك أن يتخبطنى الشيطان عند الموت ، وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مدبرا ، وأعوذ بك أن أموت لديغا » « 1 » .
وفي الحق إن البحوث الروحية التي يجريها العلماء الآن في أوروبا أثبتت أن الشياطين من الجن تخبط نفس الإنسان أو تمسها فيكون الجنون ، وأن تلك العبارات التي كانت تجرى على ألسنة العرب حقائق ثابتة الآن ، فلا يسوغ لنا أن نؤول القرآن الكريم بغير ظاهره ، لإنكار لا دليل عليه .
وإن ظاهر الآية الكريمة يفيد أن هذا التمثيل هو لبيان حالهم في الدنيا ، فهو تصوير لاضطرابهم وقلقهم وتخبطهم في حياتهم ، وإن بدوا منظمين فهو تنظيم مادي ، ومعه القلق النفسي ، والانزعاج المستمر .
هذا هو ظاهر الآية ، وبه قال بعض المفسرين ، ولكن قال الزمخشري ومعه الكثيرون : إن ذلك التخبط من أكلة الربا هو يوم القيامة ، فقال في الكشّاف : « المعنى أنهم يقومون يوم القيامة مخبلين كالمصروعين ؛ تلك سيماهم يعرفون بها عند أهل الموقف ، وقيل الذين يخرجون من الأجداث يوفضون إلا أكلة الربا ، ينهضون
هامش
( 1 ) رواه النسائي : الاستعاذة - الاستعاذة من التردى والهدم ( 5436 ) عن أبي اليسر ، وأبو اليسر هو كعب بن عمرو بن عباد الأنصاري توفى 55 ه . وعنه أيضا رواه أبو داود : الصلاة - الاستعاذة ( 1328 ) ، وأحمد :
مسند المكيين ( 14975 ) .