تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 1042

مساهمون:

ص١٠٤٢
سبيل الله يقيم التعاون بين الجماعة والآحاد على أساس من الفضيلة ، والبر والتقوى ، ثم الربا يوجد قلق المرابى ، والصدقة توجد اطمئنانا وقرارا . فالربا والإنفاق في سبيل الله نقيضان لا يجتمعان ؛ ولذا جعلهما سبحانه وتعالى متقابلين تقابل الأضداد ، في قوله تعالى :
وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ
( 39 ) [ الروم ] . وقد ابتدأ سبحانه في بيان حقيقة الربا وحكمه ببيان أثره في نفس المرابى ، ليعلم كل إنسان أن أثره شر في نفس صاحبه ، وأن أول من يناله الضرر هو المرابى نفسه ، فهو بمقدار ما يكثر من مال يكثر من الهموم ؛ ولذا قال سبحانه :
الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ
فهذه الجملة السامية تصوير لحال المرابى ، واضطراب نفسه ، وقلقه في حياته ؛ فالله سبحانه وتعالى يمثل المرابى في قلقه المستمر وانزعاجه الدائم بحال الشخص الذي أصيب بجنون واضطراب ، فهو يتخبط في أموره وفي أحواله ، وهو في قلق مستمر . ومعنى التخبط الضرب في غير استواء ؛ ولذا قيل في المثل : خبط عشواء . والمعنى على هذا أن الذين يأكلون الربا ، ويتخذونه سبيلا من سبل الكسب هم في حال لا يقرون فيها ولا يطمئنون ، فلا يقومون ولا يتحركون إلا وهمّ المال قد استولى على نفوسهم ، والخوف عليه من الضياع مع الحرص الشديد قد أوجد قلقا نفسيا دائما في عامة أحوالهم ، فهم كالمتخبط بسبب ما مسّه الشيطان . وإن تشبيه حال المرابين بحال المجنون الذي مسه الشيطان فيه إشارة إلى أن الشيطان قد يمسّ نفس الإنسان فيصيبه . وقد أنكر ذلك الزمخشري في تفسيره ، وخرج الآية الكريمة على غير المعنى الذي يفيد هذا فقال في الكشّاف في هذا التعبير الكريم : وتخبط الشيطان من زعمات العرب ، فورد على ما كانوا يعتقدون ، والمس الجنون ، ورجل ممسوس ، وهذا أيضا من زعماتهم وأن الجنى يمسه فيختلط عقله ،