ثالثها : العلم بالجزاء الأخروى ؛ فإن الله إذا كان يعلم الخير من الأخيار ، فإنه يثيبه عليه ؛ لأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا .
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً
هذا ختام آيات الإنفاق في سبيل الله ، وقد ختم سبحانه هذه الآيات كما بدأها ؛ بدأها بالجزاء الأوفى لمن يتصدق وينفق في سبيل الله ، وختمها بالعاقبة الحسنى لمن يتحرى في الصدقات مواضعها ، أيا كان زمنها ، وأيا كان حالها ، فتستوى نفقة الليل ونفقة النهار ، وصدقة السر وصدقة العلن ، ما دامت الصدقات قد قصد بها مرضاة الله تعالى ، وسلمت من آفاتها وهي المن والأذى والرياء .
وقوله تعالى :
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ
فيه بيان عموم الأزمان ، فليس للصدقات وقت معلوم تقبل فيه ، وآخر ترد وترفض ، بل هي خير كلها ، المقصود منها النفع العام ، وهو متحقق فيها ليلا ونهارا ، وغدوة وعشيا ، وفي الضحى وفي الأصيل ، فالعبرة بالفعل ونيته ونتيجته لا بزمانه ولا بوقته . وقوله تعالى :
سِرًّا وَعَلانِيَةً
فيه بيان عموم الأحوال ، ما دامت الصدقة قد خلت مما يرنّق صفو الإخلاص فيها ، ولا يجعلها خالصة لوجه الله الكريم . ولقد قالوا إن تقديم الليل على النهار ، والسر على العلانية فيه إيماء إلى أن الأولى الإخفاء والستر ؛ وإن ذلك واضح ؛ لأن في الإخفاء والستر احتياطا للنفس وصونا لها عن كل ما يؤدى إلى الرياء ؛ فإن الإعلان قد يؤدى إلى الحمد والثناء ، وقد يستمرئ المعطى ذلك ، ويستطيبه ، ثم يطلبه ويقصده ، وعند ذلك يدخل الرياء ، إذ يجد الثغرة في هذا الموضع فينفذ إلى النفس منها .
وهناك نوع من التعميم آخر في الآية غير عموم الزمان والحال ، وهو عموم الإنفاق ؛ فقد قال تعالى :
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ
ولم يقل مثلا يطعمون ، فالإنفاق باب واسع يشمل الإطعام والكسوة ، كما يشمل سداد الدين ودفع المغارم ، وإعداد العدة في سبيل الله تعالى ، وإمداد المحاربين ، وشراء ما يخصص للنفع العام ، كشراء عثمان بئر رومة ؛ فكل هذا من الإنفاق ، وعمم مع الإنفاق الأموال التي تنفق ، فكله خير وكله له جزاؤه .