وإن كل سائل وعنده ما يغنيه يعد ملحفا ، والإلحاف بكل صوره منهى عنه ؛ ولذا قال صلى اللّه عليه وسلم : « من استعف أعفه الله ، ومن استغنى أغناه الله ، ومن يسأل الناس ، وله عدل خمس أواق فقد سأل الناس إلحافا » « 1 » .
وفي الجملة إن السؤال ذل وأمر قبيح لا يلجأ إليه المؤمن إلا عند الضرورة ، وعلى من يرى سائلا أن يعطيه إن كان المعطى في سعة ، وإن قام في نفسه أنه غنى لا يعطيه ، ولكن عليه أن يحتاط لدينه كما يحتاط لصدقته ؛ وخصوصا في عصرنا هذا الذي أهمل فيه حق الفقير ، فلا يجرى عليه رزق دائم من الدولة ، وليس للناس مروءات يغنون بها ذوى الحاجات ، فكان حقا على الناس أن يعطوا هؤلاء المحرومين ، كما قال تعالى :
وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ
( 19 ) [ الذاريات ] .
وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ
هذه الجملة السامية ختمت بها الآية الكريمة ، لثلاثة أمور :
أولها : تربية الشعور بمراقبة الله في نفس المؤمن ، فإنه إذا أحس أن الله سبحانه وتعالى مطلع دائما على كل ما يعمل من خير ومن شر ، أحس بمراقبته سبحانه ، ودام ذكره له ، وشعوره بعظمته ، فيكون في مقام العبودية الرفيع ، ويعبد الله كأنه يراه ، كما قال صلى اللّه عليه وسلم : « اعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك » « 2 » .
ثانيها : هو الإحساس برضا الله عنه عند فعل الخير ؛ إذ إن الله يراه وهو يفعله ، والإحساس بمرضاة الله مقام جليل ، فرضوان الله أكبر من كل نعيم .
هامش
( 1 ) أحمد : مسند الشاميين - حديث رجل من مزينة رضي الله عنه .
( 2 ) سبق تخريجه قريبا من رواية البخاري ومسلم وغيرهما عن عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه .