تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 1034

مساهمون:

ص١٠٣٤
الفقر ؛ وقال بعضهم : الجوع وآثاره . والحق أن الله سبحانه وتعالى لم يبين لنا هذه العلامة التي يعرفون بها ؛ ولكنه ذكر أنها تعرف لذي البصيرة ؛ أي أن الشخص المدرك الفاهم يستطيع معرفتها بزكاته « 1 » نفسه ، من لمحات الوجه ، ومن تعرف مصادر الشخص وموارده ، وما يحاول به ستر حاله ؛ فإنه مهما يحاول الفقير التجمل والصبر فإنه لا بد أن تبدو حاجته لذي البصيرة الكريم الذي لا يعلن عورات الناس ؛ فالعلامة إذن هي الظاهرة التي تبدو للفاحص الذي يطمأن إليه . وقد ذكر الله سبحانه وتعالى بهذا أمرين : أحدهما ينسب للجاهل وهو الظن بأنهم من الأغنياء ، إذ قال سبحانه :
يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ ؛
هذا ظن الجاهل بالنفوس يحسبهم لفرط تجملهم بالصبر أغنياء ، والأمر الثاني أن لهم سيما ومظهرا لا يعرفه الجاهل ، ويعرفه غيره بالنظر الفاحص العاطف ، الكاشف الساتر . وأما الوصف الخامس من أوصافهم أنهم
لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً
أي أنهم لا يسألون الناس ، ولا يلحفون في السؤال أو الطلب ؛ ولقد قال الزمخشري في معنى « إلحافا » : « الإلحاف الإلحاح ، وهو اللزوم ، وألا يفارقه إلا بشيء يعطاه من قولهم : ( لحفنى من فضل لحافه ) أي أعطاني من فضل ما عنده » ، وقال الراغب الأصفهاني : « أصله من اللحاف ، وهو ما يتغطى به » وعلى هذا يكون معنى الإلحاف : هو الملازمة في الطلب وملاصقة من يطلب العطاء كملاصقة اللحاف لمن يستتر به ، أو الإلحاف يأخذ به الفضل الذي يعطاه . وقد اختلف العلماء في النفي بهذه الجملة السامية : أهو نفى للإلحاف وليس نفيا للسؤال ؛ أي أنهم يسألون ولكن لا يلحفون في السؤال ؛ أم هو نفى للسؤال مطلقا سواء أكان إلحافا أم من غير إلحاف ؟ قال بعض العلماء : إن النص الكريم يفيد بظاهره نفى الإلحاف لا نفى أصل السؤال ؛ لأن النفي منصب عليه ، إذ النفي إذا كان لأمر مقيد بوصف يكون موضعه ومناطه هو القيد ، لا الأصل .
هامش
( 1 ) الزكانة والزّكن بالتحريك التفرّس والظن يقال زكنته صالحا أي ظننته . [ لسان العرب - زكن ] .