البخل الشديد فاتجه وأطاعه كما يطيع المأمور الآمر ، ويصير سيّقة في يده يسوقه حيث يشاء .
ولقد قال صلى اللّه عليه وسلم : « إن للشيطان لمة بابن آدم ، وللملك لمة ، فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق ، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق ، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله ، ومن وجد الأخرى فليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم . ثم قرأ :
الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ
الآية « 1 » .
هذه وسوسة الشيطان ، وتلك خاطرة النفس الملكية ، وقد ذكر سبحانه أمره في مقابل وسوسة الشيطان فقال :
وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا .
صدّر سبحانه القول بلفظ الجلالة للإشارة إلى أن الوعد الذي وعد به المنفقين وعد حق ، لا يمكن أن يجئ الشك في صدقه ؛ لأنه وعد الله ذي الجلال والإكرام المعبود بحق ، الذي لا يستحق العبادة سواه سبحانه وتعالى عن الشريك والمثيل ، وإذا كان الشيطان يهدد بالفقر عند العطاء ، فالمولى تعالت حكمته يعد المنفق بأمرين :
أولهما المغفرة ، وثانيهما الفضل ، وهو الزيادة في الدنيا والآخرة .
فأما المغفرة ، فلأن الصدقة التي يقصد بها وجه الله تعالى لا لأحد سواه ، وليس فيها رياء ولا نفاق ، ولم يعقبها منّ ولا أذى ، تدل على نفس صافية خالصة مخلصة ، متجهة إلى الله تعالى منصرفة ، فإن كان منها في ماضيها ما يؤاخذ المرء عليه ، فإن الله تعالى يغفر له ، ويتوب عليه ، ولقد قال تعالى :
إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ . . .
( 114 ) [ هود ] وقال صلى اللّه عليه وسلم : « الصدقة تطفئ الخطيئة » « 2 » ولأن النفس تكون صافية إذا كانت الصدقة على هذا الوجه ، قال الله تعالى :
خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها . . .
( 103 ) [ التوبة ] فالصدقة التي تؤدى ابتغاء وجه الله تعالى تطهر النفس كما تطهر المال ، وتوجه النفس نحو الخير ، كما تنمى المال .
هامش
( 1 ) رواه الترمذي : تفسير سورة البقرة ( 2914 ) .
( 2 ) جزء من حديث رواه الترمذي : الإيمان ( 2541 ) وأحمد في مسنده عن معاذ ( 21116 ) .