تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 1004

مساهمون:

ص١٠٠٤
ضابطا ، وهو ألا يفعل لغيره إلا ما يحب أن يفعله لنفسه ، ولا يعطى من شئ إلا ما يحب أن يعطى إليه ، وهذا قانون ضابط يحمل المرء على الاستقامة في كل ما يفعل ، وهو ما يرمى إليه الحديث الصحيح : « عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به » « 1 » فكذلك لا تعط من المال في إنفاقك إلا ما تقبله طيب النفس إن أخذته في شراء أو هبة أو غيرهما . وهنا مبحثان لفظيان : أولهما : في معنى الإغماض في قوله تعالى :
إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ
فقد قال بعض العلماء : إنه من قبيل أغمض الرجل في أمر كذا إذا تساهل فيه ، فالإغماض هنا بمعنى الإغضاء ؛ وهذا يتلاقى مع من يقول إن معنى الإغماض ألا يتحرى الفحص تسامحا أو تساهلا ؛ وقيل : إن معنى الإغماض أن يأخذ زيادة في نظير هذا الرديء ، فهو يأخذه مضاعفا ، فإنه يقال لغة أغمض لي فيما بعتنى أي أعطني زيادة ، وكأن المعنى : إنكم لا تأخذون الردىء إلا متساهلين مغضين مغمضين أعينكم عن الفحص ، أو تأخذونه في نظير زيادة . وثانيهما : قوله تعالى :
وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ
يقف بعض القراء على قوله تعالى :
تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ
ثم يبتدئ بقوله تعالى :
مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ
ويكون التخريج على هذه القراءة أن قوله تعالى :
مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ
في مقام تأكيد النهى وإردافه بما هو في معنى التوبيخ ، أي لا تقصدوا إلى الخبيث مع أنكم تنفقون منه ، ولا تأخذونه في ديونكم ، ففي ديون الله تعالى تتحرون الردىء وفي ديونكم تتحرون الجيد ! وليس ذلك من العدل في شئ .
هامش
( 1 ) عن عبد اللّه اليشكرىّ : قلت يا رسول اللّه خبّرنى بعمل يقرّبنى من الجنّة ويباعدني من النّار . قال : « تقيم الصّلاة وتؤتى الزّكاة وتحجّ البيت وتصوم رمضان وتحبّ للنّاس ما تحبّ أن يؤتى إليك وتكره لهم ما تكره أن يؤتى إليك . خلّ عن وجوه الرّكاب » . [ رواه أحمد في مسنده عن عبد الله اليشكري عن رجل ] مبهم [ ( 15321 ) ] .