تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 1005

مساهمون:

ص١٠٠٥
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ
ختم سبحانه وتعالى الآية بهذه الجملة السامية ، وهي تتضمن التذكير بالله تعالى ذي الجلال والإكرام ، وإشعارهم برقابته على أفعالهم وصدقاتهم ؛ ولذا ذكر لفظ الجلالة الذي يربى المهابة وخشيته سبحانه في النفوس ؛ لأنه المعبود وحده ، المسيطر على كل ما في الوجود وحده ، وقد تضمنت الجملة وصف الله سبحانه وتعالى بوصفين كريمين مناسبين : أولهما : وصفه بأنه سبحانه غنى ، فمن يعطى الفقراء فهو يقرض غنيا يضاعف ما أقرض عند العطاء ، وهو غنى فلا يقبل إلا الجيد الذي يقدم بنفس سمحة ، وبقلب مطمئن ممن يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة . وهو الحميد ، أي الذي يستحق أن يحمد ، ولا يحمد سواه ؛ لأنه المعطى الوهاب ؛ فهو الذي وهب الغنى غناه ، واختبر الفقير بفقره ، وكان حقا على من أعطاه أن يحمده ، والحمد أن يجود من ماله سمحا في جوده ، قاصدا إلى الطيب من ماله يجود به ، فإن خالف ذلك فقد أخطأ مرتين : مرة لأنه لم يقرض الله قرضا حسنا ، وهو الغنى المعطى ، ومرة ثانية ؛ لأنه أخل بواجب الحمد ، فالاعتراف بالنعمة للمنعم كان يوجب عليه أن يعطى خير ما في يده ، ورجاء الثواب ، ورجاء دوام هذه النعمة ، كان يوجب عليه مضاعفة العطاء ، لا تحرى البخس منه .
الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ
في هذه الجملة يبين سبحانه وتعالى بواعث الشر الكامنة في نفس الإنسان ، فالشيطان يجرى في عروقه مجرى الدم ، وهو يوسوس للإنسان بالشر ، فإذا تقدم لينفق في سبيل الله ، وإعلاء شأن الحق ، أو سدّ حاجة المعوزين من الفقراء والمساكين وأبناء السبيل ، وسوس إليه بأن ذلك سبيل نفاد المال ، وأنه إذا ذهب ماله ، ضاع وهانت حاله ، ويوسوس له بذلك ، فيحجم بعد إقدام ، وإن أقدم فليعط قليلا من المال ، أو ليتخير الحشف « 1 » من ماله . هذه وسوسة الشيطان ، وهذا مغزى قوله تعالى :
الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ
أي يوعدكم إذا أنفقتم بالفقر ، ويحذركم من الصدقة بما يوسوس بذلك في أنفسكم ؛
هامش
( 1 ) الحشف : التمر اليابس الفاسد ، والمقصود هنا ردئ المال .