ولذا قال الله تعالى :
ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ . . .
( 125 ) [ النحل ] وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « لا حسد إلا في اثنتين : رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق ، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضى بها ويعلمها » « 1 » .
وقد يقول قائل : ما موضع هذه الآية من آيات الصدقات ؟ فنقول : إن الله سبحانه وتعالى أشار إلى أن المنفق عليه أن يستولى على نفسه ، وأن يدفع دواعي الشر ، ويحمى قلبه منها ، وأن يجيب نداء الله تعالى ؛ وفي هذه الآية أن تلك هي الحكمة ، فالحكمة في ضبط النفس ، ومنعها من أهوائها والسيطرة عليها ، وإطاعة الله تعالى .
ومن الناس من يحسب الحرص والضنّ بالمال حكمة ، ويدّعى أن ذلك من الاقتصاد ، وأن الإنفاق إسراف ، فأشار سبحانه أن التصدق هو الحكمة ، بذكر آية الحكمة في آيات الصدقة .
وإن الحكمة نور يقذفه الله في قلب المؤمن الذي يطلب الحق ويتجه إليه ويقصده ؛ فإنه إن استولى على نفسه وطلب مرضاة الله تعالى آتاه الله نورا به يبصر الحق ، فأشرق في قلبه الإيمان به فاندفع إلى العمل الصالح ؛ إذ إن الاتجاه المستقيم ، بقلب مخلص سليم ، يكون معه نور الحكمة ، إذ يقذف الله سبحانه وتعالى به في قلبه ، فيكون الفكر المستقيم الذي يصيب الحق ، ويكون القلب الذي يؤمن به ، ويكون العمل النافع ؛ ولذا يقول بعض العلماء : إن الحكمة هي العلم النافع الذي يكون معه العمل .
هذا معنى قوله تعالى :
يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ
فالمعطى للحكمة هو الله ، ولكنه العليم بكل شئ يضع الأمور في مواضعها ، فهو لا يعطيها إلا لمن يخلص قلبه ، ويسلم وجهه ، وإن كان كل شئ بمشيئته سبحانه ، إنه على ما يشاء قدير .
هامش
( 1 ) متفق عليه ؛ رواه البخاري : العلم - الاغتباط في العلم والحكمة ( 71 ) ، ومسلم : صلاة المسافرين : - فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه ( 1352 ) عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه . وفي الباب عن عن عبد الله بن عمر ، وعند البخاري عن أبي هريرة أيضا .