وقد فهم من ذلك الأمر ألا يقصدوا إلى الخبيث ، أكد سبحانه ذلك الأمر والقصد إلى الطيب وعدم القصد إلى سواه ، أكده بأمرين :
أحدهما : هو النهى عن القصد إلى الخبيث في الإنفاق ، فهو تكرار حسن أفاد توكيد الأمر بقصد الطيب ، وأفاد أيضا أن الصدقة المجزئة لصاحبها التي يثاب عليها والتي تنمو حتى تصير كالحبة التي فيها سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة ، هي التي تكون من الطيب لا من الخبيث ، فلا ثواب لمن ينفق يتحرى الخبيث ينفق منه .
ومعنى « لا تيمموا » لا تقصدوا إلى الخبيث ، فإن التيمم معناه في الأصل اللغوي القصد ، ويقال يممت جهة كذا أو نحو كذا قصدتها ، كذلك تيممت أي قصدت والمعنى : لا تتحروا أن تكون صدقتكم من الخبيث أي الردىء . وهذا يستفاد منه أن الإنفاق بالنسبة للمال الذي يؤخذ منه ثلاث مراتب : المرتبة الأولى وهي أعلاها وأزكاها عند الله ، هي أن يقصد إلى الطيب فينفق منه ، وهذا هو الذي يليق بالمؤمن ، وقد دعا إليه الله سبحانه وتعالى بقوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ
والمرتبة الثانية : أن ينفق من ماله فيأخذ منه اعتباطا ، غير قاصد إلى جيد أو ردئ ، فيعطى منه من غير تحر لأحدهما ، وهذه دون الأولى بلا شك ، ولصاحبها قصد الخير ؛ لأنه يشطر من ماله شطرا . والمرتبة الثالثة ، وهي الدنيا : أن يقصد إلى الردىء لينفق منه ، وهي موضع النهى ، وإذا كان منهيا عنها فهي إثم وغير مقبولة عند الله ، وهي تكشف عن شح النفس وفساد القلب .
هذا هو الأمر الأول الذي تأكد به طلب الإنفاق من الطيب النفيس .
أما الأمر الثاني : فهو قوله تعالى :
وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ
أي أنتم تقصدون إلى الإنفاق من الخبيث غير الجيد رذالة المال ، مع أنكم لا تأخذونه إن أعطى إليكم هبة أو شراء أو غير ذلك إلا أن تغمضوا فيه ، أي تتغافلوا عن ملاحظته وتتساهلوا في قبوله ؛ وإن ذلك غير عدل إن أنفقتم المال وأعطيتموه للفقراء والمساكين تحريتم الردىء ، وإن طلبتم المال وأردتم أخذه لا تأخذوا خبيثا إلا إذا أغمضتم عن عيوبه قاصدين الإغماض ، وفي ذلك تنبيه إلى أن يضع الرجل في أعماله مقياسا