تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 991

مساهمون:

ص٩٩١
أن السحاب مع هذه القوة الشديدة التي يتحرك بها هو أيضا حامل لنار إذا أصابت شيئا أحرقته . هذه مفردات المشبه به ومعانيها ، والاستفهام في قوله تعالى :
أَ يَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ
هو للإنكار ، وهو لإنكار الوقوع أي بمعنى النفي ، والمعنى لا يود أحدكم أن يكون له جنة . . إلخ ، ومجىء النفي على صيغة الاستفهام على ذلك النحو ، لتأكيد النفي ، وبيان أن الأمر في ذاته غير معقول ، بحيث لو سئل عنه أي عاقل لأجاب بنفيه ؛ لأن النفي مجمع عليه من كل العقلاء . وخلاصة القول : إنه لا يود أحد أن تكون له جنة فيها نخيل وعنب ، وفيها من كل الثمرات غير النخيل والعنب - وكان النص عليهما لأنهما فاكهة العرب - وإنها مع هذه الثمرات الطيبة ذات منظر بهيج ، فالأنهار تجرى من تحتها فتمدها بالخصب ، كما تسر الناظرين ، قد احتازها وقد أصابه الكبر ، وله ذرية ضعفاء من ذكور وإناث يحتاجون إلى مال من بعده يسد عوزهم ، ويقيم أودهم ، ومع هذا الأمل المدخر في هذه الحديقة أصابتها ريح شديدة فيها نار فاحترقت بنارها ؛ لا يود أحد ذلك أبدا ، وهو شر يتوقاه ويدعو الله سبحانه وتعالى أن يجنبه إياه . هذا هو المشبه به فما هو المشبه ؟ إنه يفهم من سياق القول من سابقه ولا حقه ، وهو العمل الطيب المنتج الذي يكون مدخر الرجل في حياته الآخرة ، كما كانت الحديقة مدخرة لذريته في كبره ، وهم امتداد حياته وفيهم بقاؤه بعد مماته ، وإنه في هذه الحياة الدنيا الفانية الوشيكة الزوال كمن أصابه الكبر وله ذرية ضعاف تحتاج إلى مدخره بعد مماته ، فهو محتاج إلى مدخره من الأعمال الصالحة بعد وفاته لتكون ذخره وثروته في الحياة الباقية بعد هذه الفانية ، وإنه إذا أبطل ذلك العمل برياء يحبطه ، أو منّ أو أذى أو مباهاة أو فخر ، يكون كمن يرضى بأن تحترق جنته في كبره بريح عاتية تأكل الأخضر واليابس ولا تبقى من المدخر لذريته في القابل قليلا . هذا هو المشبه المستنبط الذي تدل عليه الآيات السابقة واللاحقة .
زهرة التفاسير — صفحة 991 | محمد أبو زهرة