تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 990

مساهمون:

ص٩٩٠
الناحية الثانية : أن التشبيه الأول فيه تشبيه من يبتغى بعمله مرضاة الله ، وينقى ضميره وقلبه من كل رياء ونفاق ، بالحديقة الغناء المثمرة القائمة على ربوة من الأرض خصبة منتجة ؛ أما هنا فالتشبيه هو تشبيه من ينقض عمل الخير الذي يعمله برياء يحبطه ، أو منّ وأذى ، أو مباهاة ومفاخرة ببرّه بين الناس ، بمن كانت له حديقة فيها نخيل وأعناب ، وأنهار تجرى فيها مع الثمرات وقد أصابه الكبر ، وله ذرية ضعفاء ، وتكون عونا لهم بعد وفاته فأصابتها رياح شديدة فيها نار فاحترقت . ولم يذكر في هذه الآية المشبه ولا أداة التشبيه كما نوهنا ، بل ذكر المشبه به فقط ، فعلينا أن نتكلم في مفردات المشبه به ومعانيها ، ثم نتعرف المشبه ووجه الشبه ، ومغزى هذا التشبيه السامي الكريم . والود في قوله تعالى :
أَ يَوَدُّ أَحَدُكُمْ
معناه محبة الشئ مع تمنيه ؛ ولذلك يستعمل في مقام التمني . والنخيل اسم جمع النخل ، والأعناب جمع عنب ، وهو ثمرة الكروم ، وقد جاء في تفسير المنار في السبب في ذكر النخيل دون ثمرتها وهو التمر ، بينما ذكر العنب وهو ثمر الكروم وقالوا في تعليل ذلك : ( إن كل شئ في النخيل نافع للناس في إنفاقهم : ورقه وجذوعه وأليافه وعثاكيله « 1 » ، فمنه يتخذون القفف والزنابيل والحبال والعروش والسقوف وغير ذلك ) « 2 » . والإعصار ريح عاصفة تستدير في الأرض ثم تنعكس منها صاعدة إلى السماء على هيئة العمود ، وقيل : الإعصار ريح تثير سحابا ذا رعد وبرق ، وسميت إعصارا لأنها تلتف كالثوب ، أو لأنها تكون سببا في نزول المطر ، فكأنها تعصر السحاب ، فتنزل ما يحمل من ماء ؛ ولذا فسرت المعصرات في قوله تعالى :
وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً
( 14 ) [ النبأ ] بأنها السحاب ؛ لأنها تعصر بالإعصار ذلك العصر . والنار التي تكون في الإعصار هي البرق الذي يتسبب عن اصطدام السحاب بتحريك ذلك الإعصار ، أو
هامش
( 1 ) العثاكيل : جمع العثكال : العذق من أعذاق النخل الذي يكون فيه الرّطب [ لسان العرب : العين - عثكل ] . ( 2 ) تفسير المنار ج 3 ص 69 .